قراءات: عرض نقدي.. علم الاجتماع واليوتوبيا

Avatar
ياسمين حمدي

مقدمة:-

هذا العرض لمقال بعنوان علم الاجتماع واليوتوبيا SOCIOLOGY AND  UTOPIA)) لمؤلفه (RUTH  LEVITAS )، وقد تم نشرها في مجلة (SOCIOLOGY)، المجلد 13، ونشرت أيضا في العدد الأول وذلك في شهر ينايرعام 1979، وصفحات المقال من ص19 : ص 33، وتم الحصول عليه من الرابط التالي :-

http://www.jstor.org/stable/42852063

ومن عنوان المقال يمكن أن نستنبط أن المقال سوف يتناول العلاقة بين كلا من علم الاجتماع باليوتوبيا وهل تتأثر اليوتوبيا بالعوامل المجتمعية أم لا.

نبذة عن كاتب المقال:-

هو (RUTH  LEVITAS)؛ عمل كمحاضر في جامعة بريستول وقد كان ذلك في عام1979؛ ثم عمل كبروفيسورفي نفس الجامعة منذ عام 2001؛ ثم عمل كرئيس لقسم علم الاجتماع في عام 2006؛ وهو حاليا يقوم بإعداد أبحاث تتركزفي مجالات اليوتوبيا والفقروالبعد الاجتماعي.

طريقة العرض:-

سوف تقوم الباحثة في عرض المقال من خلال أربع مراحل وهي كما يلي:-

أولا:- عرض الأفكار التي تناولها المؤلف في مقاله.

ثانيا:- التعليق النقدي للأفكار التي تناولها المؤلف.

ثالثا:- عرض الأسئلة التي طرحها المؤلف ولم يجيب عنها المؤلف في مقاله.

رابعا:- محاولة للإجابة على هذه الأسئلة وذلك اعتمادا على وجهة النظر الباحثة.

أولا عرض الأفكار:-

تتحدث الفكرة الأساسية للمقال عن تغير اليوتوبيا في شكلها ومحتواها وموقعها ودورها الاجتماعي بتغيرالحالات التي يعيشها الإنسان؛ ولكن هذه الإختلافات في مكونات اليوتوبيا لاتظهر نتيجة حصر تعريفات اليوتوبيا في وظيفتها كأداة لإحداث التغيرالاجتماعي وتغييرالوضع القائم، ولكن ذلك أدى إلى انتشار حالة من الوهم والتي أدت لنقص اليوتيوبيات في العالم الغربي المعاصر ويبررالمؤلف أن نقص اليوتيوبيات المعاصرة بسبب تحول اليوتوبيا من كونها أحد أنواع الخيال الذي يختلف باختلاف المكان إلى الاعتماد على عنصرالزمن في هذا الاختلاف وذلك في الارتباط بإحداث التغيرالاجتماعي، كما ذكرأن اليوتوبيا كوسيلة لإحداث التغيرالاجتماعي تعتمد على عنصرالتفاؤل وهو مالم يتوافر في الوقت الحالي.

كما يذكرالمؤلف أن اليوتوبيا في فترة كتابة ذلك المقال كانت تتمتع باهتمام بالغ، وكذلك كان يتمتع التفكير اليوتوبي بنفس الاهتمام، ولكن نفس الفترة كانت تتميز بقلة الإبداعات اليوتيوبية، وهذا أدى بدوره إلي أزمة ثقافية، ترتب عليها العديد من النتائج المروعة بالنسبة للطبيعة غير المتخصصة، وبالتالي فقد دفع ذلك المؤلف إلى طرح السؤال التالي:-

هل كانت اليوتوبيا في حالة من التدهور والهبوط في تلك الفترة (السبعينات من القرن العشرين)؟، وإذا كان الأمركذلك فما هي الدوافع والأسباب وراء تلك الظاهرة؟.

وبالتالي يذكر المؤلف أن ذلك الوهم من حيث الاعتقاد بغياب اليوتوبيا إنما هو نتيجة استخدامنا لتعريف خاص لليوتوبيا، وهذا التعريف يركز على الوظيفة التي تقوم بها اليوتوبيا فقط ويستبعد دمج الظواهر التي ترتبط بظاهرة اليوتوبيا، وكذلك يستبعد التغير في شكل وموقع اليوتوبيا وكذلك الدورالاجتماعي لها.

ولقد اعتمد المؤلف في تبرير أرائه السابق ذكرها من خلال التعرض لمقال “العقلية اليوتيوبية” لكارل منهايم، حيث يذكر أن منهايم ذاته كان يعاني من أزمة قلة اليوتوبيات، وكذلك كان نفس الحال بالنسبة للعديد من الكتاب ومن أحدثهم (Bauman)، ولقد انتقد المؤلف كلا من كارل منهايم وكذلك (Bauman) في تعريف كلا منهما لليوتوبيا، حيث اعتمد كلا منها على الوظيفة التي تقوم بها اليوتوبيا، وإن كان المؤلف يتفق مع تعريف (Bauman) لليوتوبيا أكثرمن تعريف بنهايم لها، حيث يبررالمؤلف ذلك بتوسيع (Bauman) لوظائف اليوتوبيا حيث ذكر أربع وظائف لليوتوبيا وهي([1]):-

1– الاقتراب من الواقع.

2- تقريب صورة للمستقبل واستكشاف الإمكانيات البديلة للواقع الحالي المادي.

3- تصورالمستقبل كمجموعة من الإمكانات المتنافسة.

4- التأثيرعلى الأحداث التاريخية.

ولكن على الرغم من ذلك فقد انتقد المؤلف قول (Bauman) بأن اليوتوبيا ظاهرة لم يعد لها أهمية بعد الحلول التي قدمتها نظرية الحداثة([2])، وبالتالي يري أن تعريف (Bauman) يعتمد على دوراليوتوبيا في التغيرالاجتماعي فقط، ولكنه لايتفق معه لأنه يرى أن التغيرالاجتماعي ليس الشيء الوحيد غير المقبول سياسيا، وبالتالي فلا يمكن القول بأن التغير الاجتماعي فقط هو ما يؤثرعلى اليوتوبيا.

ينتقد المؤلف استبعاد كارل مانهايم لكل من الأساطير والقصص والوعود الدينية…إلخ من تصنيفها كأشكال لليوتوبيا، حيث يرى مانهايم أن كل هذه التطلعات غير المتحققة ولا يمكن أن تتحقق في الواقع، وذلك لأنها فشلت في تحليل وتفكيك وتحطيم الوضع القائم.

يذكر المؤلف أن الجماعات المتنافسة وتطلعاتها هي من تصنع التاريخ، وبالتالي فيرى أنه إذا أردنا دراسة دور هذه التطلعات في التاريخ فإنه يجب النظر إلى كل من الأمثلة الناجحة والأمثلة الفاشلة، وذلك لكي نستطيع معرفة السبب وراء نجاح بعض الأمثلة وإخفاق البعض الأخر.

يذكرالمؤلف أن قدرة اليوتوبيا على إحداث تغير اجتماعي تتوقف على تخيلها لأمثلة بديلة من المجتمعات يمكن تحقيق أي منهم كبديل للمجتمع القائم على أساس أنهم يمثلون إمكانات الوجود المتاحة أو قدرتها على تحول الحاضر إلى أحد هذه البدائل، أي أن اليوتوبيا كأداة للتغير الاجتماعي تتوقف قدرتها على إحدى الوظيفتين التاليتين:-

1- قدرة اليوتوبيا على تحطيم الوضع القائم تماما واستبداله بأحد إمكانات الوجود المتاحة.

2- قدرة اليوتوبيا على إحداث التغير الاجتماعي وليس التحطيم التام للوضع القائم.

يذكرالمؤلف أن فكرة الجبرية لا تنفي إمكانية وجود يوتوبيا، ولكنه يرى أن الجبرية تقلل من تأثير اليوتوبيا في تحقيق التغير الاجتماعي، حيث يرى أنها تجعل اليوتوبيا مجرد زيف وكذب ولا يمكن تحقيقها في الواقع وليس كأحد البدائل الممكنة من إمكانات الوجود والتي يمكن أن تتحقق في الواقع.

يذكرالمؤلف أن التغيير يمكن تحقيقه في حالة واحدة ألا وهي التوافق الجماعي بين جميع أفراد المجتمع وهو ما يستحيل تحقيقه، ولكن حتى وإن تحقق التوافق الجماعي فإن التغيير المحتمل حدوثه سوف يكون مغايرا للغاية الأساسية له والتي يرغب المجتمع في تحقيقها.

 

ثانيا التعليق النقدي:-

  • لقد ذكرالمؤلف العديد من الأمثلة لليوتيوبيات الإنجليزية داخل المقال ليوضح فكرته ولكنه كان من الممكن أن يوضح فكرته دون الحاجة إلى تعدد الأمثلة.
  • لقد قام المؤلف بالاسترسال في المقال وكذلك الغرق في التفصيلات ولكن ذلك في نفس الوقت لم يؤدي إلى تعميق الأفكار وتوضيحها وإنما هي قد تصيب قارئ المقال بالملل؛ حيث كان بإمكان المؤلف توضيح أفكاره بطريقة مختصرة ومحددة.
  • يمكن القول بأنه لايوجد اتساق بين أفكارالمقال؛ وذلك نتيجة انتقال المؤلف بين الأفكار المختلفة دون الفصل بينهم.
  • هناك ثمة تناقض بين أفكار المؤلف في المقال ويظهر ذلك العديد من الأفكار ومنها على سبيل المثال وليس الحصر:-

1- على الرغم من تأكيد المؤلف على الأهمية التي كانت تحظي بها اليوتوبيا والتفكير اليوتوبي في فترة كتابته للمقال إلا أنه يذكر بأن تلك الفترة كانت تعاني من قلة الإبداعات اليوتيوبية إذا فمن أين يظهر هذا الاهتمام باليوتوبيا؟

2- على الرغم من انتقاد المؤلف لمفكرين ككارل منهايم و(Bauman) وذلك لتبني كلا منهما تعريفا لليوتوبيا يرتبط بوظيفتها، إلا أننا نجد أن تحليل المؤلف ذاته لليوتوبيا يعتمد أيضا على وظيفتها، حيث يعتبر المؤلف أن اليوتوبيا أداة لتحقيق التغير الاجتماعي.

  • هناك العديد من الأفكار التي ذكرها المؤلف كمسلمات ولم يبررها، ومن أمثلة ذلك ذكر المؤلف بأن الجماعات المتنافسة وتطلعاتها هي من تصنع التاريخ، فمن أين جاء المؤلف بهذه الفكرة؟ ولماذا لم يبرر سبب اعتماده على هذه الفكرة؟ وكيف يمكننا أن نتأكد من صحة تلك الفكرة؟ وحتى ولو تمكنا من التأكد من صحتها فإنه لايشترط أن يتفق الجميع عليها؟.
  • نلاحظ أن غالبية المقال يقوم على نقد المؤلف لأراء المفكرين الآخرين ولكنه لم يوضح فكره الخاص إلا في القليل من الأفكار؛ وحتى في تلك الأخيرة فإنه لم يوضحها بطريقة مباشرة.
  • لقد قام المؤلف بطرح العديد من الأسئلة داخل المقال، ولكنه لم يقم بالإجابة عليها ما يصيب المقال بالغموض؛ ولكنه يترك مساحة للقارئ بأن يطلق العنان لخياله؛ وكذلك يمنح القارئ وضع بصمته الخاصة وأفكاره الخاصة في المقال.

ثالثا عرض لبعض الأسئلة التي طرحها المؤلف ولم يجب عنها:-

1- هل كانت تعاني اليوتوبيا في السبعينات من القرن العشرين من التدهور والاضمحلال؟ وما السبب في ذلك؟

2- هل أدت الاشتراكية إلي القضاء علي اليوتوبيا؟

3- لماذا لا يجسد المجتمع الموجود حاليا تطلعات الأفراد في مجتمع آخر؟

4- هل الوصول للغاية المجتمعية يؤدي إلى القضاء علي اليوتوبيا؟

رابعا محاولة للإجابة على الأسئلة التي طرحها المؤلف ولم يجب عنها:-

أولا بالنسبة للسؤال الأول:-

من وجهة النظرالخاصة بالباحثة ترى أن اليوتوبيا لا يمكن أن تضمحل في أي فترة زمنية؛ وذلك لأن ظاهرة التمرد على الوضع القائم متأصلة في الإنسان، حيث نجد أنه دائما ما يتطلع إلى الصورة المثالية، ودائما ما يبحث عنها كما يدرك الإنسان دائما بأنه مهما بلغ من تقدم وحضارة فإن ذلك لا يمثل النهاية؛ ومن ثم فمهما تبدل وتغير حال المجتمع ومهما اختلفت الفترة الزمنية فإن الفرد دائما ما يفكر ويبحث عن اليوتوبيا (الحلم الاجتماعي)، حيث أن اليوتوبيا لا تتأثر فقط بعامل الزمن، وإنما هناك العديد من العوامل التي تؤثر فيها (كالمكان؛ ثقافة الأفراد؛ كيفية رؤية الأفراد للعالم المثالي؛ مدى رضاء الأفراد عن واقعهم؛ مدى تمردهم وسخطهم على ذلك الواقع).

ثانيا بالنسبة للسؤال الثاني:-

من وجهة نظر الباحثة تنبع إجابة هذا السؤال من إجابة السؤال السابق؛ حيث ترى الباحثة أنه سواء كانت الاشتراكية أو الرأسمالية أو غيرهما فإنه لا يمكن لأي فكرة أو أيديولوجية أو مرحلة يصل إليها المجتمع أن تسبب القضاء على اليوتوبيا، وذلك لأن اليوتوبيا تمثل ركنا أساسيا في التفكيرالإنساني، حيث أن الإنسان لايمكنه تطوير واقعه سواء كان ذلك على المستوي الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الفكري دون أن يكون لديه تصورعن صورة مثالية كاملة واضحة المعالم في ذهنه أو حلم اجتماعي يرغب في تحقيقه في واقعه المادي الملموس، ومن ثم فترفض الباحثة فكرة أن الاشتراكية أدت للقضاء على اليوتوبيا.

 

ثالثا بالنسبة للسؤال الثالث:-  

يمكن تفسير ذلك من وجهة نظر الباحثة إلى أن لكل مجتمع ظروفه الخاصة، وكذلك لكل منهم سياقه الاجتماعي والثقافي والفكري الذي يعبرعنه وكذلك لكل منهم اليوتوبيا الخاصة بهم، وكذلك لكل مجتمع تطلعات مختلفة والتي تعتمد على تصور أفراد المجتمع للحالة المثالية أوالحلم الاجتماعي الذي يجب أن يسود في ذلك المجتمع، وبالتالي فمنطقيا اختلاف كل العوامل السابقة من مجتمع لآخر، وبالتالي فإن المجتمع الموجود لا يمكن أن يجسد تطلعات الأفراد في مجتمع آخر.

رابعا بالنسبة للسؤال الرابع:-

من وجهة نظرالباحثة إن الوصول للغاية المجتمعية لا يؤدي للقضاء على اليوتوبيا، وذلك حيث أنه مهما حقق المجتمع من تقدم فإنه مجرد تحقق جزئي أو مرحلي لليوتوبيا، وإذا افترضنا التحقق الكامل لهذه الغاية المجتمعية فإن ما تحقق يخرج من دائرة اليوتوبيا من الأساس ولا يقضي عليها، أي أنها لا يمكن اعتبارها يوتوبيا؛ وبالتالي فلا يمكن القضاء عليها أو تحقيقها ويمكن الاستعانة بتعريف مانهايم لليوتوبيا لتوضيح ذلك حيث أن اليوتوبيا – من وجهة نظر مانهايم – هي مجموعة من الأفكار تشير إلى أشياء متجاوزة للواقع ويستحيل أن تتحقق في الواقع ولكن لابد أن تتحول إلى سلوك لتغيير الوضع القائم ولا ترسخ الأوضاع القائمة في المجتمع، وبالتالي نفهم منه أن اليوتوبيا لا تتحقق في الواقع، وإنما تؤدي إلى إحداث تغير اجتماعي.

 

 

خلاصة ما توصلت إليه الباحثة :-

  • أن محتوى وشكل والدورالاجتماعي لليوتوبيا يختلف باختلاف الحالات التي يعيش فيها أفراد المجتمع.
  • لايجب الاعتماد على عنصر الوظيفة في تعريف اليوتوبيا.
  • يجب تبني مفهوم واسع لليوتوبيا.
  • الاشتراكية لم تؤدي للقضاء على اليوتوبيا.
  • لكل مجتمع اليوتوبيا الخاصة به والتي تعبرعن تطلعاته وحلمه الاجتماعي.
  • صعوبة التوصل لتغيير لصعوبة – إن لم يكن استحالة – التوصل لتوافق جماعي بين أفراد أي مجتمع.
  • الجبرية لن تنفي وجود اليوتوبيا، وإنما تقلل من تأثير وفعالية اليوتوبيا في تحقيق دورها في المجتمع.
  • استخدام اليوتوبيا كوسيلة لإحداث التغير الاجتماعي يعتمد على عنصرالتفاؤل وهو ما لم يتوافر في الوقت الحالي.

المراجع

  • Bauman ,socialism ;The Active Utopia ,London ,Allen and unwin ,1976.
  • Mannheim ,Ideology and Utopia ,London, Rout ledge and kegan paul,1936,Ch.4.
  • Ruth Levitas , Sociology And Utopia, saga publications, Ltd,1979,Available on;http//www.jstor.org/stable/42852063.

[1] Bauman, Socialism: The Active Utopia,London,Allen and unwin,1976,pp13-17.

[2] I bid,p.18.

عن الكاتب