قراءات: إرهاق الوجود الإسرائيلي.. نحو حرب استنزاف جديدة

Avatar
كريم رجب

مقدمة:

يقدم المؤلف مسودة لنهج المقاومة ضد الوجود الصهيوني في المنطقة العربية؛ مستدعيا محطات النزاع التي بدأت رسميا في عام 1948؛ مرورا بحرب السويس 1956؛ ثم عدوان يونيو 1967؛ وحرب الاستنزاف المجيدة التي يطلق عليها الصهاينة “حرب الألف يوم”؛ والتي كانت تمهيدا لحرب أكتوبر 1973؛ ثم الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، ويؤكد المؤلف أن مصر وحدها هي من تستطيع أن تقود المقاومة “فدائيا؛ سياسيا؛ اقتصاديا؛ ثقافيا؛ علميا وفكريا”؛ لأنها المكان القائد على هذه الأرض مستشهدا بتعظيم الله عز وجل لمكانتها عندما أطلق عليها اسم الأرض وهي مجرد جزء من الأرض في سورة يوسف.

المؤلف

حسين الشافعي؛ أحد الضباط الأحرار؛ ونائب الزعيم جمال عبد الناصر؛ شارك في حرب فلسطين 1948؛ عين وزيرا للحربية 1954؛ ثم وزيرا للشئون الاجتماعية؛ ثم وزيرا للتخطيط؛ وفي عام 1961 تولى وزارة شئون الأزهر؛ عينه الرئيس جمال عبد الناصر نائبا له في عام 1963؛ كان عضوا في المحكمة التي حاكمت قيادات جماعة الإخوان الإرهابية 1965؛ ثم رئيسا لمحكمة الثورة التي حاكمت الضباط بعد نكسة يونيو 1967؛ ظل الشافعي في منصبه حتى بعد رحيل عبد الناصر وأبقى عليه السادات نائبا أول لرئيس الجمهورية حتى عام 1974.

 

مساره الفكري

يعد حسين الشافعي واحدا من أشد المؤيدين لنهج المقاومة ضد الوجود الصهيوني في المنطقة؛ إنطلاقا من إيمانه الملطق بثورة 23 يوليو وأهدافها؛ وتبعاتها التي جعلت مصر تخوض تحديات دولية بالغة الصعوبة؛ استطاعت خلالها أن تكون قائدة للعرب وإفريقيا ودول العالم الثالث؛ في مواجهة الإمبريالية العالمية.

 

سبب اختيار الكتاب

يعتبر نهج المقاومة ضد الوجود الصهيوني في منطقتنا العربية هو الأنجح على الإطلاق منذ بداية الصراع؛ فخلاصة 70 عاما من الاحتلال الآثم لأراضي فلسطين العربية والجولان السوري أثبتت أن هذا العدو الصهيوني لن ينتهي إلا بحرب يتحد فيها العرب – وهذا أمر مستبعد حاليا- أو بالمقاومة التي تكاد تكون حرب استنزاف طويلة الأمد؛ تكبده خسائر فادحة ماديا ومعنويا، وما أحوجنا الآن إلى كتاب يحمل أفكارا تعيد إلينا روح المقاومة خاصة بعد أن وصلت الغطرسة الصهيو- أمريكية إلى مدى لا يمكن تحمله، لذا كان البحث عن قبس نهتدي به في سعينا نحو القضاء على الوجود الصهيوني؛ فوجدنا أن هذا الكتاب يكشف لنا معالم الطريق يكشفها لنا أحد الذين كانوا في مراكز صناعة القرار المصري عندما كانت القاهرة قبلة كل المقاومين من كل بقاع العالم.

استهل الشافعي كتابه الصادر عن دار الشروق في 1423 هـ – 2002 م، بإهداء “إلى أرواح الشهداء الذين رووا الأرض بالدماء عطاء وبذلا وفداء؛ أرواح شهداء حرب فلسطين 1948؛ أرواح شهداء العدوان الثلاثي 1956؛ أرواح شهداء النكسة 1967؛ أرواح شهداء حرب الاستنزاف 1969؛ شهداء حرب أكتوبر 1973؛ أرواح شهداء المقاومة في لبنان 1982؛ أرواح شهداء الانتفاضة الأولى 1987؛ أرواح شهداء الانتفاضة الثانية 2000.. التي بدأت في 28 سبتمبر ذكرى وفاة جمال عبد الناصر والتي ندعو الله أن تبقى مضيئة مشتعلة إلى أن تعم سائر البلاد العربية والإسلامية تأكيدا لاستمرار ثورة 23 يوليو حتى تتحرر أرض فلسطين وسائر بلاد المسلمين.. فليكن شعارنا “إرهاق الوجود الإسرائيلي فدائيا- سياسيا- اقتصاديا- ثقافيا- علميا – عسكريا”.

 

أولا: فدائيا

إننا نحييكم أيها المجاهدون وأبطال الحجارة، فقد أصبحتم الأمل والقدوة بكل جدارة، وقد أبلغتم الإشارة وأرهقتم الوجود الإسرائيلي في عقر داره.. مصر الكنانة تشد من أزركم حتى تتحرر الإرادة.. ومصر الثورة تحرضكم على ضرب عدو الله وعدوكم بلا هوادة؛ والله معكم.. وتحية لمن فاز بالشهادة واذكروا الله كثيرا فإما نصرا وإما شهادة.

لا تكتفوا بالحجارة تقذفونها، ولكن أشعلوها نارا وحرائق وخربوا أرضا اغتصبوها ودمروا كل ما أقاموا من مرافق، لا تتركوهم يغمض لهم جفن أو ينعموا بما سرقوا، وليقل كل منكم بأعلى صوت: الأرض أرضي والبلاد بلادي ولن أترك منها شبرا واحدا للأعادي.. شهداؤكم في الجنة وقتلاهم في النار فهم حزب الشيطان وأنتم حزب القادر الجبار.

إن إرهاق الوجود الإسرائيلي فدائيا لن يتوقف منذ بدأ بحرب الاستنزاف التي أشعلت الشرارة الأولى لهذا النوع من الحرب غير النظامة، والتي فيها مقتل إسرائيل فاستغاثت بحاضنتها امريكا التي تقدمت بمبادرة روجرز والتي قبلتها مصر لاستكمال قاعدة الصواريخ؛ وما أن جاء عام 1977 بمخازيه وتبعه عام 1978 وكامب ديفيد بما فيه، حتى انطلقت انتفاضة الحجارة تعبيرا عن الألم والمرارة في عام 1987 وسبقتها المقاومة في لبنان؛ ثم الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر من العام الماضي، وكأنها احتفال بذكرى وفاة جمال عبد الناصر.

إنها شعلة الثورة التي تتجدد في صور متتابعة لا تتوقف ما دامت الحياة فإن عدوكم على استعداد للتسليم بقدر ما في نفوسكم من تصميم: “فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” التوبة: 111.

 

ثانيا: سياسيا

لكي نستطيع أن نتصور كيف يكون إرهاق الوجود الإسرائيلي سياسيا، ينبغي أولا أن نتبين التعريف الحقيقي لهذا الوجود العابر الغادر لهذه الدولة التي ولدت سفاحا في الظلام، وتركت لقدرها على أعتاب المسجد الأقصى كأولاد الحرام، إنها الدولة الوحيدة التي فرضت وأنشئت بقرار، وسيكون زوالها بإذن الله بالجهاد والإرادة والإصرار.

لقد قام هذا الكيان على دعاوى وخرافات كاذبة وادعاءات تاريخية ما أنزل الله بها من سلطان، كلها خداع وأوهام، فكان العدوان سبيلها ومركبات النقص والحقد دافعها، وتحدي غضب الله عليهم بتشتيتهم أن يتجمعوا، ليقيموا هيكل سليمان في أرض الميعاد وهم لا يعلمون أنهم مسخرون لمصيرهم المحتوم.

وبالابتزاز المالي والإعلامي يستميتون في فرض واقع وأساسه اغتصاب الأرض من أصحابها، ويعملون على إحياء لغة ميته، ويصرون على أنهم ما زالوا شعب الله المختار، وقد نسخ الله آيات التفضيل التي كانت لهم، يقول تعالى في حق أمة الإسلام: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا” المائدة: 3 . فيهم صفات المنافقين، والمنافق إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف؛ وإذا أؤتمن خان، ويقول الله تعالى في ذلك: “أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ” البقرة: 100.

ويصفهم الله بالجبن فيقول عز من قائل: “لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَفْقَهُونَ” و” لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَعْقِلُونَ” الحشر: 13 ، 14 . وهم يخشون أهل فلسطين من قديم الأزل كما يقرر القرآن الكريم في قوله تعالى: “قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ” المائدة: 22 . وقولهم: “قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ” المائدة: 24.

فما هي مصادر قوتهم ومقومات وجودهم؟

أولا: سعيهم المستمر للانفراد باستقطاب القوة العالمية الكبرى- وهي الآن أمريكا- تحتمي فيها وتحارب بسلاحها، وتتوارى من ورائها لتغطية جرائمها تحت دعوى أنها الحامية لمصالح أمريكا في منطقة المشرق العربي، وكل هذا الابتزاز المالي والإعلامي، واستغلال الضغط اليهودي ماليا وإعلاميا في الولايات المتحدة.

ثانيا: تسخير جهاز الأمم المتحدة- مجلس الأمن- لتحقيق أهدافها أو عدم إدانتها على انتهاكها لكل الحقوق والأعراف الدولية، وذلك بالاستفادة من الفيتو الأمريكي.

ثالثا: التسلط المالي والإعلامي من خلال امتلاك دور النشر والصحف ومعظم وسائل الإعلام، مكن لها تزييف الحقائق حتى ضاعت الحقيقة.

رابعا: غيبة العالم العربي والإسلامي عن الاضطلاع بمسئوليته ورسالته والتقصير الشديد في حشد إمكانياته لمواجهة هذا التآمر والعدوان.

كيف نواجه ونتصدى لننتصر على هذه الأمور الأربعة: إني أعلم أنه ليكون لك وزن وفاعلية وتأثير فلابد أن يكون لديك وسائل ضغط، حيث إن الذي لا ينفع في إمكانه أن يضر وكلما زادت القوة فلها نقط ضعفها، كما أن لها مصالح في مجالات متعددة، فلو أمكن استغلال إمكانياتنا وتحريكها للإضرار بهذه المصالح إذا استمرت في مساندة باطل إسرائيل والاعتداء على مصالح العرب والمسلمين، فلنا من العمل النقابي والتنظيمات الشعبية ما يمكن من خلاله الإضرار بهذه المصالح، وإني مازلت أذكر قوة النقابات والتنظيمات الشعبية وإمكان قيامها بأدوار فعالة للإضرار بهذه المصالح، لتدرك أمريكا أن سياستها المتحيزة يمكن أن تجر عليها خسائر لا قبل لها أن تحتملها إذا استمرت في مساندة إسرائيل.

إن كل نقطة من النقاط الأربع تشكل أساسا للدراسة المتعمقة لتحريكها، والتي ينبغي على أجهزة الجامعة العربية أن تجعل ذلك مجالا للبحث الذي ينتهي إلى خطط تتناول مسار الأمور في سياساتنا شدا لأزر المجاهدين في فلسطين الذين استطاعوا وحدهم بنضالهم أن يشكلوا ضغطا وإضرارا بمصالح العدو في مجالات متعددة، منها السياحة والهجرة إلى إسرائيل التي انكمشت وزيادة الهجرة إلى الخارج، وأصبح الاقتصاد يعاني من خسائر لا يستهان بها، فضلا عن افتقاد الأمن والأمان.

 

ثالثا: اقتصاديا

عندما كانت منشورات الضباط الأحرار تحدد المبادئ الستة التي كانت المحرك لثورة 23 يوليو 1952 المجيدة، كان نطاق التفكير لا يتجاوز النطاق المحلي في مصر، ولكن مع التطبيق والممارسة اتضحت الحقيقة.. إن مجال الواقع يتجاوز النطاق المحلي والنطاق القومي وتخطاه إلى النطاق الدولي، بل الكوني.

إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هو القائد الوحيد الذي تحققت على يده هزيمة اليهود شر هزيمة انتهت بإخراجهم من خيبر والمدينة المنورة في أول الحشر. ولم يتحقق ذلك إلا باتباعه لمنهج السماء في مختلف مجالات وميادين الحياة، ومن بينها ميدان الاقتصاد الذي أصبح مدخل اليهود للسيطرة والتحكم في غفلة المسلمين عن منهجهم الذي انتصروا به.. فلما تركوه ونسوا الله فأنساهم أنفسهم، لاحت الفرصة لليهود الذين كفروا من أهل الكتاب لإقامة دولة الشيطان التي يحكمها الطاغوت.

نعود لمبادئ الثورة- المبدأ الثاني- القضاء على الاحتكار وعلى سيطرة رأس المال على الحكم، فعلى سبيل المثال كان أحمد باشا عبود على رأس الرأسمالية في مصر قبل الثورة ويعمل لديه حسين باشا سري رئيس الوزراء عندما يترك الوزارة، وكانت القوانين لا تعبر إلا عن مصلحة الإقطاعيين والرأسماليين الذين يستمدون سلطانهم وقوتهم من الوجود الاستعماري المتمثل في جيش الاحتلال، وعلى رأس البلاد ملك هو أولا وآخرا موظف من قبل الإنجليز بدرجة ملك.

لقد استمد هؤلاء اليهود سلطانهم العالمي الذي تجاوز عددهم الضئيل من سيطرتهم على رءوس الأموال وتجميعها واكتنازها من أي سبيل.

أردت أن أبدأ بهذه المقدمة حتى يكون الأمر واضحكا، إن ما تعانيه البشرية من ظلم بين، يبدأ عندما تنفرد قلة بتجميع المال واكتنازه من أي طريق وبأي وسيلة، وبدلا من إنفاقه في سبيل الله لإسعاد الجميع عملوا على تحويله إلى وسيلة ضغط وإخضاع وسيطرة لإخضاع إرادة الآخرين، وحتى يصبح الناس في النهاية يعبدون الدولار بدلا من عبادة الواحد الرازق القهار، وأصبح الاقتصاد بهذه الطريقة وعلى هذه الصورة هو الشيطان وهو الطاغوت، له قوانينه وله طقوسه وله سدنته وكهنوته لإخضاع البشر لحساب القلة الباغية التي استباحت الانفراد بكل الخير على حساب الجياع، والفقراء والمساكين في كل أنحاء الأرض.

ولذلك كان الهدف الثالث للحركة الصهيونية بعد حصولهم على موطئ قدم لهم في فلسطين، ثم استجلاب اليهود ليقيموا في هذه الأرض هو احتواء المنطقة اقتصاديا، فتكون لهم مع مرور الوقت السيطرة الفعلية بتحكمهم في الفعاليات الاقتصادية.

ويذكر بعض كتابهم أنه بعد أن أصبح ثلث الفلسطينيين يعيشون داخل إسرائيل، وثلث آخر يعيش خارج إسرائيل، والثلث الأخير موزعا في البلاد العربية فإنهم بذلك يمثلون المعابر والجسور التي يمكن احتواء المنطقة اقتصادياا من خلالها.

لقد كان لهم من خبرتهم وممارستهم في المجتمعات التي عاشوا فيها أن تمكنوا من السيطرة على مقدراتهم الاقتصادية ولما جاءوا إلى فلسطين تصوروا أن ما حققوه في مختلف المجتمعات ليس من الصعب تطبيقه في فلسطين.

والذي يراجع ما تم الاتفاق عليه في كامب ديفيد سنة 1978 يجد أن هناك بالإضافة إلى تسليم سيناء منزوعة السلاح ومنقوصة السيادة، فهناك كذلك اتفاقية ثقافية وأخرى تجارية، لكي يحققوا من خلالهما أول اختراق للاقتصاد المصري، لتكون البداية للتسلل بهدف القضاء على التضامن العربي في مجالات الضمان الجماعي والمقاطعة العربية لأي تعامل تجاري مع العدو الإسرائيلي.

والمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل هي أضعف الإيمان في مجال الإرهاق الاقتصادي لإسرائيل، ولمواجهة عدوان إسرئيلي على الأراضي العربية يستبيح فيه قتل الأبرياء وتدمير المنازل اعتداء على أهلنا وإخواننا أبناء فلسطين المحتلة، ولنبدأ على الفور في إرهاق الوجود الإسرائيلي اقتصاديا على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: إسقاط جميع الاتفاقات التي تتعارض مع إرهاق الوجود الإسرائيلي وأولها كامب ديفيد 1978.

ثانيا: إحياء الضمان الجماعي بين دول الجامعة العربية وإنشاء صندوق لتقديم المساعدات النقدية والعينية للمجاهدين في فلسطين، والاستغناء عن كل المعونات المسمومة التي تقدم من الدول التي تساند إسرائيل.

ثالثا: الدعوة لإحياء الفكر الإسلامي واتباع ما تقضي به الشريعة من منع قطعي للربا بكل صوره بين دول العالم الإسلامي والعربي، مع العمل على تحصيل الزكاة وتطهير الاقتصاد من أي شبهة تتعارض مع تعاليم الإسلام.

رابعا: أن يتولى أمور الاقتصاد من يؤمن بأن مال المسلمين أمانة والتفريط فيها هو تفريط في حق الله سبحانه وتعالى.

خامسا: الانفتاح على العالم الإسلامي والتوسع في التبادل التجاري والاقتصادي، حتى تتسع رقعة المقاومة والتصدي وتشكيل كتلة تحقق التكامل وتوفر الحماية للكيانات الاقتصادية الضعيفة.

سادسا: إعلان المقاطعة الاقتصادية ليس ضد إسرائيل فقط، بل ضد كل من يساند إسرائيل.

سابعا: رفض تقبل أي مساعدات مالية، حتى لا تكون مدخلا لفقد الإرادة الحرة، إعلاء لمعاني العزة والكرامة، ولنعلم أنه: “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا” و”وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا” الطلاق: 2، 3 .

 

رابعا: ثقافيا

“لابد للقوة من عقيدة تدفعها، ولابد للعقيدة من قوة تحميها”

في العيد الأول للاحتفال بمرور عام على قيام ثورة 23 يوليو المجيدة أي في عام 1953، طلب منا نحن أعضاء مجلس الثورة أن يتقدم من يرى شعارا مناسبا يعبر عن الثورة ليرفع في الميادين العامة، فكان هذا الشعار الوارد في صدر المقال أحد الشعارات التي تقدمت بها وكان معلنا في ميدان التحرير، تذكرت هذا الشعار ونحن نتناول الحلقة الرابعة في سلسلة مقالا إرهاق الوجود الإسرائيلي ثقافيا.

والثقافة هي واحد من أسلحة الغزو الخطيرة والفعالة، وهي لا تقتصر على المتاحف والفنون في مجالاتها المختلفة، ولكن هي واحدة من خطوط الدفاع الرئيسة التي عليها أن تتصدى للغزو الثقافي ضد الدين واللغة والتاريخ والمبادئ والقيم التي يؤمن بها الشعب، وهذه المواجهة لا تحتمل أي قدر من التراخي أو التفريط أو الإهمال.

إن الذي أثار انتباهي إلى هذه القضية الحيوية هو ما جاء في اتفاقات كامب ديفيد 1978، إذ أن من بينها اتفاقية ثقافية تضاف إلى الاتفاقية التجارية التي تكلمنا بشأنها في حلقة الإرهاق الاقتصادي للوجود الإسرائيلي اقتصاديا، وإننا بطبيعة الحال لا نخشى على أنفسنا من ثقافة إسرائيل أن تخترق ثقافتنا لأنهم بلا ثقافة، ولكن إسرائيل هي التي تخشى على نفسها من ثقافتنا التي يمكن أن تحطم وتكشف عورات هذا الكيان الصهيوني الذي هو أقرب ما يكون إلى عصابة من اللصوص الذين يعملون في الظلام، وأكثر ما يخيفهم ويزعجهم ويقلقهم هو أن تسلط عليهم الأضواء، فيستيقظ أهل البلاد فيعرفون حقيقتهم وإجرامهم، وهم كالثعابين التي تغير جلدها، وكالحرباء التي تغير لونها لتعطي واقعا بصور مختلفة في النفاق للإيحاء بأنهم دعاة خير ومحبة وسلام ليجذبوا الذين لا يعرفون طبيعتهم الشريرة، فإذا انفضحت حقيقتهم خرجوا على الناس بصورة جديدة وتحت تنظيم جديد، فهم الماسونية، وهم الصهيونية، وهم الروتاري، وهم الليونز، وهم اليهودية الدولية وغير ذلك من التنظيمات التي تدعي أعمال الخير وتأتي من خارج البلاد بأهداف زائفة.

إن عدوهم الأعظم هو الإسلام: “لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ” المائدة 82، لقد حاولوا مرارا طباعة نسخ القرآن محرفة ليزيلوا منها كل ما يسيء إليهم، ويكشف عن طبيعتهم الخبيثة ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع، فلقد تكفل الله بحفظ القرآن الكريم معجزة الإسلام الباقية والمتجددة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إن المسجد عليه دور كبير في إرهاق الوجود الإسرائيلي ثقافيا ومعنويا ونفسيا، فلو أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وعلماءهم، علموا الناس ما ينبغي أن يعلموه عن اليهود وطبيعتهم اللئيمة وخداعهم ونفاقهم وما جاء به القرآن الكريم من توضيح وتفصيل بشأنهم، لكان ذلك خط دفاع منيعا أمام مجتمع العدو الذي يعلم أبناءه من الصغر تعاليم التلمود وبث الكراهية، وأن قتل غير اليهودي هو قربة إلى إلههم.

واتضح الآن لماذا كان حرص إسرائيل على اتفاقية ثقافية في اتفاقات كامب ديفيد 1978 لكي لا يقوم المسجد بواجبه نحو فضح العدو الصهيوني بما قال الله وقال الرسول في شأنهم من كشف عوراتهم وسوءاتهم والدعاء عليهم بما يستحقون.

وفي موسم الحج الماضي طلبنا إلى بعض من نعرفهم من الحجيج أن يستمعوا جيدا لدعاء الفجر في كل من مكة والمدينة، والدعاء على اليهود بالذات، وعند عودتهم قالوا لم نسمع أي دعاء على اليهود في موسم الحج، بينما في هذه المناسبة التي يتجمع فيها المسلمون من كل بقاع الأرض هي الأوقع والأكثر تأثيرا وشمولا، فهل انسحبت الاتفاقية الثقافية في كامب ديفيد على بقية بلاد العرب والمسلمين؟ رحماك يا رب.

 

خامسا: علميا

عندما بدأت في تناول موضوع إرهاق الوجود الإسرائيلي علميا تذكرت أنه قد جاءني كتاب من صديق في عام 1961، وكنت نائبا لرئيس الجمهورية ووزيرا للأوقاف وشئون الأزهر.. كان عنوان الكتاب “الحكومة الخفية – The Hidden Government”، وكان هذا الصديق قد حصل على هذا الكتاب من أحد الضباط الإنجليز أثناء الحرب العالمية 1939 – 1945، وكان قد وصاني أن أعيده إليه لأنها النسخة الوحيدة.

قرأت الكتاب وهو كتاب لا تتجاوز صفحاته المائة صفحة من الحجم الصغير.

وكاتب هذا الكتاب كان ضابطا بالجيش البريطاني، حارب في حرب البوير في جنوب إفريقيا، ثم في حرب السودان التي أصيب فيها إصابة أخرجته من الخدمة لعدم اللياقة.. والذي دفعه لكتابة هذا الكتاب أنه وهو يتابع مسار بعض القرارات لشخصيات يثق في إخلاصها ونزاهتها، لاحظ أن هذه القرارات تغير مسارها وتنحرف عن مضمونها.. وعندما يسأل لماذا انحرفت عن مسارها، كان يتلقى إجابة واحدة إن المسار قد تغير استجابة للخطة؛ وبالسؤال عن مضمون الخطة ومن هم ورائها علم أن الصهيونية هي التي من وراء الخطة.. وملخص الخطة هو تجميع الذهب والأموال من أي مصدر وبأي وسيلة لتشتري الكلمة بامتلاك دور النشر والتحكم في وسائل الإعلام؛ للسيطرة على العقول وفرض الحقيقة التي تعبر عن مصلحتهم وتدبيرهم.

وبالإغراق الإعلامي الذي يملكون وسائله تقف الحقيقة مترددة مرتعشة لا تقوى على التعبير أو الإعلان عن نفسها.

ولقد اتخذت الحركة الصهيونية الحية شعارا لها تتحرك في الخفاء لا تسمع لها صوتا، حتى تتمكن من فريستها، ويقولون إنه عندما يلتقي ذنب الحية برأسها باحتلال القدس يكونون قد نجحوا في تحقيق هدفهم الأول وهو القضاء على المسيحية كخطوة في طريق القضاء على الدين الذي يعتبرونه العقبة التي تقف دون تحقيقهم لأهدافهم الخبيثة.

والكاتب يقول إنه يكتب بأسلوب مباشر وبسيط ليدرك رجل الشارع حجم الخطر الذي يراد به، فإنه تحذير وإيقاظ للغافلين من مواطنيه نحو هذا التخطيط الشيطاني.. إن هذا الأسلوب الشيطاني هو الذي أعطى لليهود بعددهم القليل الذي لا يتجاوز الـ 15 مليونا هذه القوة الخادعة، فسيطروا بالمال الحرام الذي اقترفوه، ثم هددوا وابتزوا بإعلامهم وعدوانهم، وذلك في غفلة من المسلمين الذين ضلوا طريقهم وغاب عنهم منهج السماء الذي انتصروا به في صدر الإسلام.. هذه المنهج الذي يمنع الربا ويأمر بإنفاق الأموال في سبيل الله وعدم اكتنازها، ويحرم الخمر والميسر ويقيم الحد على القاتل والزانية والزاني والسارق وشاهد الزور، ويذلك يؤمن النفس على مالها وعرضها وحياتها، فيحميها من أسلوب اليهود الشيطاني.

ولذلك فهناك علم يؤدي إلى سيطرة الشيطان، وهناك علم يؤدي إلى إشاعة الحق وعبادة الرحمن، ولذلك كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله من علم لا ينفع.

فالعلم بلا رحمة يؤدي إلى البغي كما قال الله في شأن قارون: “إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ” القصص 76 .. ويقول الحق تبارك وتعالى في شأن المال وضرورة إنفاقه في سبيل الله لكي تتحقق الرحمة: “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” البقرة 257 .

والطاغوت والبغي والظلم يبدأ كنتيجة لتكديس الأموال واكتنازها وحبسها عن خلق الله، فيعم الفقر والجوع والبطالة ويتفشى الفساد ويعم الطمع والجشع وتنحسر الرحمة، فيزداد الفقراء فقرا ويزداد الأغنياء غنى عندما يكون العلم بلا رحمة والرأسمالية بلا قيم أو أخلاق.

وبذلك يتضح أن الإسلام ومنهج السماء هو أكثر ما يخشاه اليهود، وأن إرهاق الوجود الإسرائيلي علميا ليس مجاله منافستهم في بغيهم وانحرافهم، ولكن هو إحياء تعاليم السماء التي تحرم الربا وتحث على الإنفاق في سبيل الله على أن المال هو مال الله، والمستخلفون في هذا المال عليهم أن يبادورا بإنفاقه في سبيل الله ليعم الخير وتنعم البشرية بالعدل والخير والرحمة.

 

سادسا: فكريا

الكلمة قدر وأمانة ومسئولية، وكذلك لقاؤنا اليوم قدر وأمانة ومسئولية، وبكل ما مر بنا من تجارب، وكل ما يجول بنا من خواطر أجد نفسي مقيدا في اختيار التجربة والخاطر الذي يتناسب مع الظروف والأوضاع التي يمر بها العالم الإسلامي ونواته التي تتكلم بلغة القرآن الكريم، ألا وهي البلاد العربية من الخليج إلى المحيط.

الهدف: إن أردنا النجاة والفوز والفلاح فينبغي أن ندخل البيوت من أبوابها، نتكلم بصراحة بلا مجاملة ولا مساومة ولا نفاق أو استجداء حتى يكون الصدق مدخلا للقضاء على اليأس والإحباط واستعادة للثقة وتجديدا للأمل.

حال المسلمين: أصبحنا في حال لا نحسد عليه من خسف وإيذاء وإذلال حتى صدق قول الله فينا، وبهذا السؤال الاستنكاري: “كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ” التوبة : 8، وقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: “توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل”.

إرادة التغيير لتحرير الإرادة: أصبح الأمر لا يحتمل التسويف أو الانتظار، لكي نحدد هدفا نلتف حوله ونعمل على تحقيقه؛ حيث إن النجاح في تحديد الهدف هو نصف الطريق إلى النجاح؛ والنصف الآخر هو في الإصرار على وضعه موضع التنفيذ والمحافظة على تحقيقه في عزم وإصرار.

المبادأة: إن أقصى ما يتمنى القائد هو أن يستحوذ على المبادأة، لأنه طالما كانت المبادأة في يد أعدائنا فعملنا سيبقى خاضعا لإرادتهم، وإني أتساءل كيف حصل المسلمون المؤمنون الأولون على المبادأة؟. إن المبادأة لم تكن مبادأة بشر، ولكن كانت مبادأة السماء عندما اختار الله واصطفى القائد الأسوة الحسنة بإذنه وتوقيته.

وهل نقف منتظرين مبادأة السماء مرة أخرى؟.. كلا لا ينبغي الانتظار؛ حيث إن محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من لا نبي بعده تمت به النعمة وكملت به رسالة الإسلام بمنهجها الذي ارتضاه الله ليحيي به الأمة.

المنهج: لقد وضعت هذه الرسالة بمنهجها موضع التنفيذ بلا خوارق ولا معجزات، وأثبتت التجربة نجاحها المبهر في ظروف غاية في الصعوبة والشدة، صحراء جدباء بواد غير ذي زرع، تسكنها قبائل متناحرة، يتقاتلون في حمية الجاهلية لأتفه الأسباب ويئدون البنات.

صدق الإيمان: فإذا صدق الإيمان وخلصت النية وتوافرت القدوة والعزم، فالمنهج قابل لإعادة الإخراج.

المسئولية: ينبغي أن ندرك بعد ذلك حجم المسئولية التي في أعناقنا كمسلمين وعرب نتكلم بلغة القرآن.

حجة الوداع: فليبلغ الحاضر منكم الغائب

الفاسقون: “الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” البقرة: 27.

الهدف مرة أخرى: بعد هذه المقدمة نستطيع أن نتعرض للهدف الذي يقع في نطاق مسئوليتنا وكيف يمكن تحقيقه بعون من الله وإذنه.

أول العوامل: أول العوامل في تقدير الموقف هو مناقشة قواتنا وقوات العدو ونبدأ باستعراض قواتنا أولا لتكون لنا المبادأة من أول الأمر.

قواتنا: إيماننا بالله هو سلاحنا الذي لا يغلب، فإن الله يساعد من يؤمن به ويثق في قدرته بلا شك أو ارتياب، فقد أيد وساعد المؤمنين بقدر إيمانهم، فأيد بجنود كما في غار حراء، كما أيد بإنزال السكينة كما جاء في قوله تعالى “إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”  التوبة: 40، كما أيد بمده النصر في بدر.

الرعب: كما يؤيد بإلقاء الرعب في قلوب الأعداء. قال تعالى: “إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ” الأنفال: 12، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “نصرت بالرعب على مسيرة شهر”.

الحرب النفسية: “وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ” الأنفال: 44.

دليل حي: لقد تجلى الله سبحانه وتعالى علينا عندما هللنا وكبرنا في العاشر من رمضان، ليقول لنا إنه موجود وقادر بعد أن أعددنا منذ 1967، كل ما نستطيع من إعادة بناء الجيش، وإقامة حائط الصواريخ، وبدء حرب الاستنزاف، ولو استمر الارتباط بالله لاختلفت النتائج النهائية.

إن كل هذه القدرات الربانية الهائلة ليست للمسلمين؛ ولكن للمؤمنين العاملين وهي تعود بنا لقوله تعالى: “قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” و”إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ” الحجرات: 14 ، 15.

المحك الحقيقي للإيمان: الجهاد بالمال والنفس- الميه تكدب الغطاس.

التكليف المادي: قد أكون قد تجاوزت في ذكر المد الإلهي، وحتى لا يتصور أحد أن هذا يغني عن الإعداد والاستعداد المادي والمعنوي، ولكن مع الإعداد بكل ما نستطيع لن يكن النصر إلا بذكر الله والارتباط بحبله المتين: “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ” الأنفال: 60.

عدل الله: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

مصادر قوتنا: إن أي تقدير موقف سياسي أو استراتيجي يلجأ إلى تجميع إمكانيات الدول العربية في مواجهة إسرائيل، لا يمكن أن يعبر عن حقيقة تلك الإمكانيات بالنسبة لموقفنا الحاضر.

ومع ذلك فإنني سألجأ إلى استعراض إمكانيات العرب المادية ومقارنتها بإمكانيات إسرائيل لكي أوضح أن العيب فينا “الأنظمة العربية القائمة”، وأنه يجب علينا أن نبدأ بإصلاح أنفسنا، حتى نستطيع أن نستثمر ما حبانا الله به من إمكانيات ضخمة في صراعنا مع إسرائيل.

المعارك العسكرية التقليدية: إننا نستدرج في معارك عسكرية تقليدية سريعة يستخدم فيها العدو التفوق في نوعية السلاح الذي تمده بها الدول التي تخشى من التفوق العربي في الإمكانيات المادية والمعنوية على المدى البعيد؛ فيحققون نصرا سريعا يزيدهم غرورا وصلفا وتكبرا ويزيدنا إحباطا ويأسا.

إرهاق الوجود الإسرائيلي: وقد آن الأوان أن نستدرجهم نحن إلى معركة غير تقليدية وغير نظامية وفدائية، ويكون شعارنا إرهاق الوجود الإسرائيلي فدائيا- واقتصاديا- وفكريا- وعلميا- وثقافيا- وسياسيا مع وضع خطة لكل مجال من هذه المجالات، ولنا من مواردنا ما يكفل التفوق، وما أن تبدأ مصر طريق الجهاد ستجد الجميع يتبعها، ولنا من حرب الاستنزاف، وانتفاضة الحجارة، والمقاومة في لبنان.. خير دليل.

عناصر القوة الاستراتيجية: إن عناصر القوة الاستراتيجية لأي دولة أو أمة تقاس بعناصر ثلاثة رئيسية، العنصر الأول هو القوة البشرية، والعنصر الثاني هو اتساع الإقليم والعنصر الثالث هو الثروات الطبيعية.

القوة البشرية: يتفوق عدد العرب على عدد اليهود المحتلين للأارضي الفلسطينية بنسبة 54: 1 وإذا كان علينا أن نعترف بأن الفرد اليهودي يتفوق على الفرد العربي في المجال العلمي والتكنولوجي، فإن ذلك يعتبر مرضا مؤقتا يمكن التغلب عليه على مر السنين.. كما أن التفوق العددي في جانب العرب يمكن أن يكون أحيانا بديلا للتفوق النوعي الإسرائيلي المرحلي.

اتساع الإقليم: مساحة الوطن العربي 14 مليون كيلو متر مربع، في حين أن مساحة إسرائيل داخل خطوط ما قبل 5 يونيو 1967 هو 20700 كيلو متر مربع، أي أن العرب يتفوقون على إسرائيل في هذا بنسبة 676 : 1 .

ويبلغ طول السواحل العربية 22195 مما يتيح لها منطقة اقتصادية داخل البحار والمحيطات التي تشرف عليها تبلغ مساحتها 3 ملايين كيلو متر مربع أخرى.. في حين أن إجمالي الشواطيء الإسرائيلية لا يزيد على 180 كيلو متر.

الثروات الطبيعية: لقد حبا الله الدول العربية بثروات طبيعية هائلة من الماء والنفط والمعادن.. ويكفي أن نعلم أن ثلثي احتياطي النفط في العالم مختزن في أراضي الدول العربية والإسلامية- وأنه بحلول عام 2030 إذا افترضنا عدم ظهور اكتشافات بترولية جديدة- فإن النفط سينضب من جميع دول العالم إلا من خمس دول إسلامية هي السعودية؛ الإمارات العربية؛ الكويت؛ العراق؛ إيران.

وإذا كانت الدول العربية لم تنجح بعد في استثمار وترشيد استخدام مواردها المائية.. وإذا كانت الدول العربية لم تنجح بعد في استخراج الكنوز المعدنية التي تزخر بها أراضيها.. فإن ذلك لا يعني سوى أن الأرض العربية مازالت بكرا في انتظار من يتزاوج معها ويستخرج خيراتها، وعلى سبيل المثال فإن في السودان وحده 200 مليون فدان يمكن استزراعها، وإنه لو تحقق ذلك فإن السودان لا يصبح سلة الطعام للدول العربية فحسب، بل وسلة الطعام أيضا لأوروبا.

فإذا نظرنا إلى إسرائيل فإن ثرواتها الطبيعية تكاد تكون معدومة.. فلا نفط ولا معادن، ولكن قليلا من الماء وتبلغ الموارد المائية في إسرائيل 2000 مليون متر مكعب من المياه يعيش عليها أكثر من 6 ملايين من البشر “4.844 مليون يهودي + 1.2 مليون عربي” وهي لذلك تعيش تحت خط الفقر المائي.. مما يجعلها دائما تطمع في الوثوب إلى الأراضي التي تتمتع بمصادر مياه.. ولعل هذا يجعلنا ننظر بعين القلق إلى الجهود المصرية التي تبذل من أجل إيصال مياه النيل إلى سيناء.

القدرة الإنتاجية: وبالرغم من هذه الإمكانيات الهائلة التي تؤهل الدول العربية لأن تكون في مقدمة شعوب العالم إلا أنه للأسف الشديد، فإننا نعتبر من أقل االدول إنتاجا، فإذا ما استبعدنا الدول النفطية؛ حيث إن إنتاج النفط لا يحتاج إلى مجهود بشري يذكر، فإن متوسط دخل الفرد في الدول العربية غير النفطية هو حوالي 1000 دولار؛ بينما يصل في إسرائيل إلى أكثر من 20000 دولار، وهذا يعني أن إنتاج الفرد الإسرائيلي يعادل ما ينتجه 20 فردا عربيا، ويجب أن يدفعنا ذلك إلى ضرورة تأهيل الفرد العربي والأخذ بوسائل الإنتاج العلمية الحديثة.

الإعداد الإيماني: إن الإعداد الإيماني لا يقل في أثره عن الإعداد المادي إن لم يكن يفوقه، ولكننا أسقطناه من حساباتنا، حتى أن البعض يعتبره نوعا من القدرية أو التحليق في اللاملموس.

قضى الرسول صلى الله عليه وسلم- 13 سنة في مكة كانت بمثابة التركيز على كلمة التوحيد، حتى أصبح المؤمن مهيئا لكل أنواع البذل بالمال والنفس، فجاهدوا وهاجروا دليلا على صدق الإيمان.

يقول عمر بن الخطاب وهو يخاطب القادة والجنود: “إن عدوكم يفوقكم عددا وعدة ولا تمتازون عليه إلا بإيمانكم فحافظوا على صلواتكم، فإن تركها أخوف عليكم من عدوكم”.

الاستنتاج: ينبغي أن تنعكس كل هذه المعاني وتلك القيم في تعليمنا وإعلامنا وفكرنا ومبادئنا والمثل والقدوة التي نعطيها لشبابنا.

 

خاتمة

الخلاصة: إن العيب فينا وعلينا العمل على تغيير واقعنا وأننا نواجه معركتين وليست معركة واحدة، ويجب ألا نربط المعركتين ببعضهما.

أولا: المعركة التي يفرضها الوجود الإسرائيلي

ثانيا: المعركة في مواجة الصراع بين القوى الكبرى وتنافسها في سباق من يفوز بهذا المكان القائد في مصر محور الأمة الوسط

أما المعركة الأولى فينبغي أن تكون بسياسة النفس الطويل، واستدراجها إلى مواجهة الشعوب العربية والإسلامية بعددها وإمكانياتها؛ وذلك برفع شعار جديد هو إرهاق الوجود الإسرائيلي فدائيا وليس عسكريا.. وإرهاق اقتصادي وسياسي وفكري وعلمي وثقافي بخطة تفصيلية لكل من هذه الماديات الستة.

أما المعركة الثانية فنواجهها بألا ننحاز لأي من القوى الكبرى، فإنهم في النهاية يؤكدون الوفاق فيما بينهم لضربنا.. كما حدث في 1967، ولكن نؤكد الارتباط بالأكبر وهو الله القادر على نصرنا، إذا تعاهدنا على اتباع منهجه الذي هو وحده القادر على تحقيق النصر والفلاح.

 

 

المراجع

إرهاق الوجود الإسرائيلي – حسين الشافعي- الطبعة الأولى- دار الشروق 2002م – 1423 هـ

عن الكاتب