جديد: مصر والسودان.. دبلوماسية القمة

Avatar
حسن غزالي

في الخامس من يونيو/ حزيران عام 1967 أصابت العالم العربي فاجعة كبيرة بسبب النكسة؛ فأعلن رئيس الوزراء السوداني محمد أحمد محجوب؛ الحرب على إسرائيل وأخطر البرلمان بأن قوات سودانية ستغادر فورا إلى مصر.

كانت تلك التصريحات الرسمية التي أعلنتها القيادة السودانية عشيه العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا وفلسطين والأردن، والذي استوقفني هنا ليست الخطوات التصعيدية في حد ذاتها التي اتخذتها السودان ضد إسرائيل ولكن سرعة الاستجابة التي لا تحمل أي مواربه في الوقوف داخل خندق واحد مع مصر آنذاك، كان هذا على المستوى الرسمي. 


أما على المستوى الشعبي، تذكر الدكتورة هدى جمال عبد الناصر في كتاب "جمال عبد الناصر.. الأوراق الخاصة" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في ثلاثة أجزاء؛ كيف كان الاستقبال الشعبي الأسطوري لجمال عبد الناصر عقب وصوله الخرطوم لحضور القمة العربية حيث أن الميناء الجوي هناك طلب من طائرة الزعيم أن ينتظر بالجو حتى هبوط واستقبال الملك فيصل لأن وصول عبد الناصر سيصرف الجماهير عن أي شخص آخر بعده مما يسبب حرجا للجانب السوداني، وهو بالفعل ما حدث فور نزول جمال عبد الناصر إلى أرض السودان فحملت الجماهير سيارة الزعيم وهو ما برهن عليه  مانشيت جريدة  NewYork Times  الأمريكية واسعة الانتشار بعنوان "استقبال جماهيري لزعيم مهزوم".

 

واستكمالا للمشهد الشعبي يأتي التأييد الرسمي عربيا لمصر في القمة العاجلة التي أقيمت في السودان 29 أغسطس/ آب 1967 والمعروفة بالـ"اللاءات الثلاثة" والتي أكدت على ثلاث مبادئ أساسية وهي "لا صلح لا تفاوض لا استسلام" مع العدو.


نشير في هذا المقال إلى مدى خصوصية العلاقة المصرسودانية خاصة في تلك التحولات الإقليمية في منطقة البحر الأحمر.


الفنون، الأداب والعلاقات الأهلية أرضية مشتركة راسخة منذ آلاف السنين بين قطبي وادى النيل تبتعد عن أي تغييرات سياسية طارئة سواء بالسلب أو بالإيجاب فهي "روابط خالدة كمجرى نهرالنيل" كما أشار الرئيس البشير من خلال صفحته الشخصية على موقع التواصل الإلكتروني "Twitter"، وقد تكون تلك الروابط المشتركة ذات الخصوصية التي استند إليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال زيارته الأخيرة إلى السودان عندما التقى بالنخبة الثقافية السودانية لما لها من ثقل قومي يتخطى الحدود السودانية وهي المرة الأولى التي يلتقي فيها رئيس مصري مع النخبة السودانية.


ينقلنا هذا إلى النظر جيدا نحو الــ 22 لقاء جمع كلا الرئيسين منذ مايو 2014 وحتي يوليو 2018 شملت 6 زيارات إلى مصر قام بها الرئيس البشير و 4 زيارات إلى السودان قام بها الرئيس السيسي، فالسودان بالنسبة للسيسي كانت الوجهه الأولى بعد كل مرة تم انتخابه كرئيس للجمهورية، إذا نحن إزاء فهم جيد لخصوصية العلاقة بين البلدين، خصوصية تتخطى الجليد الذي ظهر بين العلاقات خلال تلك الفترة السابقة وهو ما صرح به وزير الخارجية المصري سامح شكري عندما سئل عن العلاقة بين البلدين قائلا "هي علاقة مقدسة".


خصوصية تعود بنا إلى شتاء  أكتوبر 1981 بمدرسة سراي القبة الثانوية حيث الاستفتاء الأول على تولي الرئيس الأسبق مبارك للسلطة، وهنا  يظهر الرئيس السوداني آنذاك جعفر النميري ويدلى بصوته كمواطن "مصري سوداني" حسب توقيعه وقتها فى قائمة الزيارات قائلا "لقد قمت بواجب وطني مشرف".
الحديث عن خصوصية بلا إطار تنفيذي هو نوع من أنواع "الكلام الساكت" كما يقول الإخوة في السودان أو كما يقال فى الصعيد "كلام بن عم حديت" وهنا كان يجب لها أن تتبلور تلك الخصوصية في شكل شراكة استراتيجية على مستوى الرؤساء أو ما يعرف بدبلوماسية القمة والتي بدأت خطواتها التنفيذية منذ أكتوبر 2016 عند التوقيع على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بالقاهرة متضمنه العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم من المفترض أن تكون الجوله الثانية لها في أكتوبرمن هذا العام في الخرطوم كما سيقوم وزراء الخارجية  في البلدين بمتابعة الخطوات التنفيذية بشكل مباشر حسب الاتفاق الذي تم بين الرئيسين خلال زيارة الرئيس السيسي الأخيرة إلى الخرطوم.  

يأتي هذا التفاهم المصرسوداني في إطار تغيرات سياسية في المنطقة تعيد تشكيل التحالفات الجيوسياسية لأول مرة منذ ما يقرب من العقد، فالحرب تضع أوزارها بين الجبهة الديمقراطية الثورية الحاكمة في إثيوبيا والجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا والتى نشبت إثر الخلاف الحدودي منذ 1998 على منطقة "بدامي"؛ وكان آخر هذه الاشتباكات عام 2016 في بلدة تسورونا، وهو التقارب الذي يعول عليه كلا الطرفيين كثيرا، فرئيس الوزاراء الإثيوبي يوما بعد يوم يكسب مساحات على حساب الحرس القديم داخل النظام بدعم من الإدارة الأمريكية الحالية ممثلة في مجلس النواب الأمريكي، حيث قدم المجلس مشروع قانون رقم 128 ضد بعض مسؤولي النظام الإثيوبي السابق باسم "دعم احترام حقوق الإنسان وتشجيع الحوكمة الشاملة في إثيوبيا" وهو القانون الذي أعطى لرئيس الوزراء الإثيوبي القدرة على التحرك بشكل أوسع لتحجيم الحرس القديم الذي يعارض مفهوم السلام مع الجارة إريتريا وهو ما تجلى في عدم نقل قناة تيجراي مراسم الاستقبال للوفد الإريتري في إثيوبيا والوفد الإثيوبي في إريتريا ليس هذا فحسب ولكن تخلف أيضا ممثل إقليم تيجراي عن مرافقة رئيس الوزراء إلى إريتريا في 8 يوليو 2018.

وعلى الجانب الإريتري تصب عملية السلام في كسر عزلة نظام أسمرة سياسيا خاصة داخل أهم مؤسسة إفريقية ألا وهي الاتحاد الإفريقي؛ ومن الطبيعي أن يتوقف تفاعل دور إريتريا داخلها منذ الخلاف مع جارتها إثيوبيا التي تستضيف المنظمة منذ إنشائها، وهنا استحضرني موقف مضحك "كنت في إحدى اجتماعات الاتحاد الإفريقي فوجدت مقعد إريتريا يجلس عليه شخص فظننت لوهلة أن ممثل إريتريا متواجدا وقد ذاب الجليد بين الطرفين فما كان مني إلا أن ذهبت إليه ومددت له يدي وتصافحنا وبدأت في الحديث معه فوجدت وجها يحمل علامه التعجب، لكن اتضح لي فيما بعد أنه ليس إريتريا، فقد كان مجرد شخص يحمل ملامح إريترية تعب فجلس يستريح". 

أما على المستوى الاقتصادي فإريتريا تعول كثيرا على المصالحة مع إثيوبيا وظهر ذلك خلال زيارة الوفد المصاحب للرئيس الإريتري أسياسي أفورقي إلى إثيوبيا إحدى المجمعات الصناعية في الـــ 14 يوليو 2018 ، وهو ما يبين الرغبة الملحة في كسر تلك القيود الاقتصادية في أسرع وقت ممكن.
وبناء على هذا التغيير يشير بعض المراقبين إلى أن التنسيق الإثيوبي الإريتري قد يؤثر على التنسيق الإثيوبي السوداني، لأن الاعتماد البحري لأثيوبيا سيتحول إلى ميناء عصب الإريتري نظرا  لقربه جغرافيا للأراضي الإثيوبية من جارتها السودانية، وفي نفس الوقت بدأت مصر في العمل على سد العجز السوداني كهربائيا كبديل سريع يحل مشكلته الكهربائية هناك وهو ما أشار إليه جليا البشير خلال المؤتمر الصحفي الأخير مع السيسي، قد يطرح احتمالات تغير موقف السودان نسبيا تجاه الموقف من سد النهضة.
  
ومن هذا المنطلق نستطيع أن نشير إلى أن مصر من المرجح أن تلعب دور الوسيط المستقبلي بين كل من السودان وإثيوبيا على إثر التقارب الإثيوبي الإريتري والمباركة الخليجية لهذا التقارب المتمثل فى المملكة العربية السعودية والإمارات وهم الحلفاء الاستراتيجين لمصر وهو الحلف الذي تقترب منه السودان بشكل كبير وتأتي الإشارة هنا إلى دور البرلمان العربي برئاسة السعودي السيد مشعل السلمي بدأ باتخاذ خطوات جادة عبر لجنته الخاصة بالسودان من اعتماد خطته للتعامل مع الإدارة الأمريكية بهدف إزاحه السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. 

وعلى مستوى الاتحاد الإفريقي بدأت السفيرة  نميرة نجم سفير مصر السابقة في رواندا والمستشار القانوني الحالي للاتحاد الإفريقي باتخاذ خطوات تنفيذية جادة بتشكيل فريق دفاع قاري عن الرئيس البشير برئاستها كممثل قانوني للاتحاد الإفريقى أمام المحكمة الدولية في لاهاي، وقد تم اعتماد فريق الدفاع من رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي السيد موسي فقيه لذا من الواضح أن مصر بدأت في استخدام أوراق نفوذها.
     
أيضا بالنسبة لمصر يجب الأخذ فى الاعتبار الخطوات الجادة التي اتخذتها باستضافة اجتماعات إنشاء آلية تمويلية فعالة تضم كل من السودان وإثيوبيا في شكل "صندوق تمويلي" لتعزيز المشروعات التكاملية بين الدول الثلاث بحضور نائب محافظ البنك المركزي المصري ونائب محافظ البنك المركزي السوداني ومدير إدارة شئون إفريقيا بالخارجية الإثيوبية؛ ومن المرجح أن تستضيف مصر الجوله القادمة للمباحثات الخاصة بــ"الصندوق التمويلي" على هامش "الاجتماعات السنويه لجمعية البنوك المركزية الإفريقية" وهو ما يؤكد بشكل أساسي رغبة القيادة المصرية نسج خيوط للشراكة على مستوى أوسع من ملف المياه بالإضافة إلى تفعيل مخرجات الاجتماع التساعي لوزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة المخابرات من الدول الثلاث في مايو 2018 والمرجح عقد الجوله الثانية منه بالقاهرة.

 لذا من المؤكد أن التكامل المصري السوداني بات ضرورة ملحة تفرضها معطيات التاريخ، الجغرافيا والتغييرات الإقليمية، لكن يعقب دبلوماسية القمة التي تسعى إلى التكامل خطوات تنفيذية على مستوى الدوائر الأصغر بيد صغار وكبار الموظفيين على الجانبين.
عن الكاتب