تقديرات: ماذا بعد مؤتمر إعمار العراق؟

Avatar
علي خالد

مقدمة

لم يكن متوقعا أن يحظى العراق بمؤتمر دولي داعم لاقتصاده الوطني كالذي عقد قبل أيام في الكويت، والذي جاء تحت عنوان “المؤتمر الدولي لإعادة إعمار العراق” والذي طلبت من خلاله الحكومة العراقية مبالغ تقدر بـ88 مليار دولار لإعادة إعمار المناطق المحررة ودعم الاقتصاد العراقي، بيد أن مخرجات المؤتمر تمخضت على حصول العراق مبالغ تقدر بـ30 مليار دولار تتراوح بين قروض ميسرة وأموال خصصت للاستثمار، كل هذا يأتي ضمن جهود دولية رعاها صندوق النقد الدولي ودولة الكويت وشارك فيها أكثر من سبعين دولة ونحو 1850 شركة عالمية، وطرحت بغداد خلال أعمال المؤتمر 157 مشروعا للاستثمار تتوزع على قطاعات خدمية وإسكانية وصناعية ومشاريع أخرى متعلقة بالطاقة، وطبقا لهذا فقد أعلنت الحكومة العراقية أن خطتها للمؤتمر ستكون على ثلاثة محاور أولها المساهمة في إعادة تأهيل البنى التحتية في عموم العراق وإعادة الاستقرار للمناطق المتضررة من الإرهاب، وتنمية قطاع الخدمات، وقد رافق عقد المؤتمر انعقاد ثلاثة مؤتمرات تخصصية ركز أولها على إعادة الإعمار وعرض خلاله الوثائق الخاصة بالأضرار المباشرة وغير المباشرة التي تسببت بها الحرب ضد تنظيم الدولة “داعش” والجهود المطلوبة للنهوض بالواقع الاقتصادي والخدمي، أما المؤتمر الثاني فقد بحث فيه دعم الاستقرار والاستجابة للاحتياجات الآنية لتخفيف المعاناة عن النازحين والتسريع بعودتهم إلى مناطق سكنهم، أما الثالث فكان مخصصا من قبل الهيئة الوطنية العراقية للاستثمار والتي أقامت معرضا طرحت من خلاله العروض الاستثمارية أمام مئات الشركات العالمية.

 

 

ردود الفعل الدولية والداخلية

عقد المؤتمر برئاسة الكويت والعراق والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي؛ ولعل هذا يمثل اهتماما واسع النطاق بدعم العراق ماليا والإسراع بإعادة استقراره، فقد جاءت ردود الفعل الدولية سابقة على انعقاد المؤتمر سواء كانت من دول أو منظمات دولية، فقد ساهمت المملكة العربية السعودية بمليار دولار ودولة الكويت بملياري دولار وأعلنت تركيا بأنها ستخصص خمسة مليارات على شكل قروض واستثمارات، بريطانيا بدورها تعهدت بمنح تسهيلات ائتمانية في مجال الصادرات ستصل إلى مليار دولار سنويا ولمدة عشرة أعوام فيما صرح البيت الأبيض وقبيل عقد المؤتمر بأيام بأن الولايات المتحدة لن تقدم أموالا سواء كانت منحا أو قروض أو حتى استثمارات ؛ في خطوة فسرها مراقبون بأنها تتماشى مع سياسة ترمب الداعية إلى إنهاء دور الولايات المتحدة في إعمار الدول كجزء من حملته الانتخابية لكن سرعان ما تلافى وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون الموقف وأعلن من الكويت عزم الولايات المتحدة منح العراق قرض بـ3 مليارات دولار وتوقيع اتفاقية بين مصرف التجارة الأمريكي والعراق، أما الموقف المصري فقد تلخص على لسان إبراهيم محلب مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية الذي أكد ضرورة الوقوف مع العراق ونقل التجربة المصرية في إعادة بناء الدولة إليه ومساعدته في إعادة بناء ما تم هدمه على يد تنظيم الدولة “داعش”، جدير بالذكر أن محلب قد زار بغداد على رأس وفد رفيع المستوى والتقى بعدد من المسؤولين العراقيين مبينا أن زيارته للعراق جاءت بتكليف مباشر من رئيس جمهورية مصر العربية عبد الفتاح السيسي، فيما ذكرت مصادر صحفية عن إبرام 20 شركة سعودية ومصرية تحالفات للبدء في عمليات إعادة إعمار العراق.

أما المواقف على صعيد المنظمات الدولية فقد طالب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس المجتمع الدولي بتقديم الدعم بالسياسة والموارد وقال متوجها للعراقيين: “العالم مدين لكم ولنضالكم ضد التهديد العالمي الذي فرضه تنظيم الدولة الاسلامية”؛ مشيرا إلى أنه قد حان الوقت لامتاننا الخالص والتعبير عن تضامننا مع الشعب العراقي.

يأتي هذا ضمن ما أعلنته الحكومة العراقية من أن فاتورة الإرهاب قد كلفت العراق نحو 88 مليار دولار منذ سقوط مدينة الموصل بيد داعش وحتى انتهاء العمليات العسكرية، كما عبرت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني عن دعم الاتحاد للجهود الرامية إلى إعادة إعمار المناطق المتضررة من الإرهاب وقالت بأن الاتحاد سيقدم 400 مليون دولار على شكل مساعدات إنسانية.

 

 

تقييم مؤتمر إعادة إعمار العراق على المستوى الداخلي

وتقييما للموقف الداخلي العراقي أخذت أصوات تنادي بعدم جدوى ما أفرزه المؤتمر من مخرجات لأنها ستضفي مديونية جديدة على عاتق العراق إضافة إلى السابقة، علاوة على أصوات نادت بتأجيل قرض الدولة العراقية لحين استتباب الأمن وكبح جماح الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة زيادة على تعقيد الوضع الداخلي وضياع البوصلة العراقية تجاه عملية التنمية في ظل عدم وجود خطط إنمائية واضحة تأخذ بيد الاقتصاد العراقي وتدفعه إلى الأمام .

ومن جانب آخر وبرؤية أكثر استقلالية سنجد أن مؤتمر الكويت الذي عقد كان لدعم العراق ماليا ولأغراض استثمارية يختلف عما سبقه من صفقات وتعاقدات كانت تذهب سابقا لأغراض التسلح فمنذ عام 1979 كانت أغلب الميزانيات المالية تذهب للتسلح على حساب التنمية، ثم إن المؤتمر جاء بعد حرب طاحنة مع الإرهاب الذي احتل ثلث الجغرافية العراقية واستنزفت من خلالها موارد الدولة فجاء المؤتمر ليمثل قارب إنقاذ للاقتصاد العراقي الذي ضعف نتيجة استمرار ماكينة الحرب واستنزافها لموارد الدولة.

إن عقد مؤتمر الكويت في هذا الوقت تحديدا يبرز أربع حقائق جلية الأولى تتمثل في أن  المشاركة الدولية لمؤتمر الكويت من دول ومؤسسات دولية ذات طبيعة مالية تبين ذلك الاهتمام المتزايد بالعراق ودعم فكرة دولة مستقرة داخل نظام إقليمي محترب، ومن جهة أخرى تبرز حقيقة أن العراق لم يعد تلك الدولة التي كانت تعتمد على القوة الصلبة في تحقيق أهدافها على المستوى الإقليمي، أما الحقيقة الثالثة تتجسد بأن العراق لم يعد بلدا يعيش بحالة من العزلة والقطيعة على هامش المجتمع الدولي، إضافة إلى أن دولا في المنطقة كانت تتوق لو كان المؤتمر داعما لاقتصادها وهو ما أكده رئيس الوزراء حيدر العبادي في مؤتمره الصحفي الذي أعقب المؤتمر بأن دولا في المنطقة كانت تتمنى أن تحظى بنفس الفرصة التي حظي بها العراق في مؤتمر الكويت،  ولا ننسى هنا موقف الخارجية العراقية التي صرحت على لسان وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري في أول رد فعل للعراق بعد انتهاء أعمال المؤتمر بعبارة: “كنا نأمل بمبلغ أكبر”، في الوقت الذي رحب به رئيس الوزراء بمخرجات مؤتمر الكويت ليبرز بصورة واضحة ذلك التخبط وعدم وجود سياسة موحدة للحكومة العراقية وربما تكاد تكون ظاهرة ليست غريبة على العراق بعد عام 2003، أما ردود أفعال الكتل السياسية فتتراوح بين الصمت وأخرى معارضة لما أفرزته مقررات المؤتمر.

 

 

تداعيات مؤتمر الكويت على الانتخابات البرلمانية

بينما واقع الحال يشير إلى تحديات جمة ستواجه رئيس الوزراء المقبل خاصة بعد تعهد رئيس الوزراء الحالي أمام الشركات بإزالة كافة العقبات والعراقيل التي ستقف أمامها من تسهيل الإجراءات أو الروتين الحكومي الذي يتخفى الفساد بين طياته بحسب تعبيره،  وليس من مستبعدا أن تكون الضمانات التي قدمها رئيس الوزراء مرتبطة بدعاية انتخابية مبكرة لا سيما تلميحه بأن الفترة المقبلة التي ستشهد إقامة المشاريع في المناطق المحررة تحتاج إلى من يشرف عليها ويكون على علم بحيثياتها الأولية، في إشارة لا تقبل الشك  بأن المشاريع التي رصدت في ولايته تحتاج إلى إشرافه في دورة أخرى.

من جانب آخر فقد طرح العراق عام 2009 مشروع قانون البنى التحتية والقطاعات الخدمية وكان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي من أكثر المتحمسين له إلا أنه قوبل بالرفض وأسقط القانون في البرلمان العراقي، وهناك قناعة سائدة بأن مؤتمر الكويت ماهو إلا إعادة لفكرة قديمة تبناها نوري المالكي وكتلة دولة القانون البرلمانية لذا فمن البديهي أن تلقى معارضة من أنصار المالكي على الرغم من أن مؤتمر الكويت جاء بعد حرب طاحنة كلفت ميزانية الدولة مليارات الدولارت وهجرت حوالي خمسة ملايين عراقي ناهيك عن الدمار الذي لحق بالبنى التحتية والمساكن وهذه ظروف لم تكن متوفرة عام 2009 الذي شهد به العراق استقرار أمنيا نسبيا وكانت أسعار النفط قد تعدت 80 دولارا للبرميل الواحد.

 وبصرف النظر عمن سيتبوأ منصب رئاسة الوزراء فإن رئيس الوزراء المقبل سيواجه تحديات جمة فيما يتعلق بملف إعادة الإعمار وإنجاز المشاريع، هذه التحديات ستبدأ بالفساد المالي والإداري الذي بلغ مستويات عالية مرورا بانتشار ظاهرة السلاح المنفلت في مناطق جنوب العراق الذي ينتشر فيه ظاهرة النزاعات العشائرية المسلحة والتي بدورها ستخلق بيئة طاردة للاستثمار وليس انتهاءا بالخلايا الإرهابية النائمة التي تنشط بين فترة وأخرى في المناطق المحررة.

 

المراجع

المشاركون في مؤتمر الكويت يتعهدون بمنح 30 مليار دولار لإعادة إعمار العراق- فرنسا 24

https://goo.gl/sPG6qy

حيدر العبادي

http://www.pmo.iq/

عن الكاتب