تقديرات: كيف تؤثر كرة القدم في القوة الناعمة للدول؟

Avatar
السيد مجاهد

قوة الدول الناعمة لها وجوه عدة؛ فلم يَعُد الإعلام كقوة تأثير وتعبير عن حضور الدول دوليا وإقليميا؛  بل أصبح كل ما يُمثل الدولة في أي منافسة هو مؤشر قوتها والتسويق لنفسها سياسيا قبل أن يكون سياحيا واقتصاديا.. وعلى هذا كانت كرة القدم ملعب للتنافس الرياضي؛ ولكن لهذا التنافس أبعاد وطنية لتحفيز شعور الانتماء داخليا والتعبير عن قوة الدول الناعمة خارجيا.

 

مصر كنموذج في صعودها لكأس العالم ظهر بها هذا الإنعكاس الداخلي بتصاعد روح الانتماء؛ ربما يبدو تزامن الصعود مع ذكرى انتصار أكتوبر  ليس دلالة كافية لإسقاط الحالة الاجتماعية المتشابهة بالشعور بالذات الوطنية ورغم  أنه من الصعب مقارنة انتصار أكتوبر  بصعود كأس العالم ولكن الإسقاط المقصود هو حالة الاستنفار الشعبي للشعب المصري احتفالا بتحقيق انتصار وطني أيا كان حجمه وأيا كان مجاله، وهنا نجد بُعد خارجي لقوة الدول، فلم تعُد القوة العسكرية فقط هي المعبرة عن قوة الدول الشاملة فالكرة أصبحت تحقق حالة وطنية مشابهة.

 

دعونا نتوقف قليلًا عند هذا السؤال؛ هل تُعد كرة القدم قوة ناعمة للدول؟

أول من صاغ مفهوم القوة الناعمة “جوزيف ناي” أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، وقد تناول المفهوم في كتاب له بعنوان “مُقدرة للقيادة.. الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية” الصادر عام 1990م، ثم قام بتطوير المفهوم في كتابه “القوة الناعمة.. وسائل النجاح في السياسة الدولية” الصادر عام 2004م، وقد استخدم هذا المفهوم ليُعبر عن استخدام الوسائل السلمية في سياسات الدول بدلًا من الوسائل العسكرية، وقد أكد “ناي” علي ضرورة الاعتماد علي الآداب والفنون ووسائل الإعلام والدبلوماسية وغيرها من الوسائل التي تساعد علي التقارب بين الدول، وتعتبر كرة القدم إحدى تلك الوسائل التي تعمل على تحسين صورة الدولة أمام العالم.

 

وتعتبر كرة القدم إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الدول في تحسين صورتها أمام العالم، فقد استطاعت دول كثيرة أن تجعل من منتخباتها القومية ولاعبيها سفراء لها في الخارج ويرفعون أعلام بلادهم ويمثلون أوطانهم في المنافسات الدولية التي تُقرب بين الشعوب والدول بعضها البعض، فلم تَعُد الشعوب تراقب فقط السياسات، فكثير من الشعوب باتت تتابع فرق ومنتخبات ليست داخل حدودها، كما أصبحت كرة القدم لغة متعارف عليها بين سكان العالم أجمع.

 

تُساهم كرة القدم بصورة كبيرة في بناء اقتصاد بعض الدول حتي أصبح هناك ما يعرف باسم “اقتصاديات كرة القدم”، وتُعد البرازيل على رأس دول العالم التي يعتمد اقتصادها كثيرا على عوائد كرة القدم، وتقدر نسبة دخل كرة القدم من إجمالي الدخل بنحو 5%، وهو ما جعل البرازيل ضمن قائمة العشر دول الأقوى اقتصاديا على مستوى العالم، كما تبلغ قيمة المعاملات المالية لكرة القدم في البرازيل قرابة الـ 20 مليار.

 

وقد اتجهت دول كثيرة حول العالم إلى الاهتمام بكرة القدم واستخدامها في بناء اسمائها، وها هي دول الخليج العربي، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، تسوق لنفسها في البطولات الأوروبية والدولية عن طريق زيادة استثماراتها في الأندية العالمية مقابل وضع اسمها على قمصان اللاعبين وفي إعلانات الملاعب، كما تعمل تلك الدول على شراء الأندية الكبرى وملاعبها بأموال طائلة لتضاف إلى رصيدها من القوة الناعمة. وقد اتجهت قطر إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فقد قامت بترشيح نفسها لاستضافة كأس العالم لعام 2022م، وذلك لشراء مكانة دولية ومن أجل أن تصنع لنفسها كيانًا بين دول العالم. يُذكر أن قطر واجهت العديد من الاتهامات المتعلقة بقضايا فساد ومخالفات قانونية من خلال دفع رشاوي للمسئولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم من أجل ضمان حصولها على حق استضافة كأس العالم.

 

ومن هذا المنطلق، يتضح لنا أن قياس قوة الدول الشاملة أصبح مرتبط بضرورة تطوير آليات  قوتها الناعمة التي تُعد أحد الأعمدة الرئيسة في استراتيجيات الدول في التاثير والتواجد والحضور والتنافس  مع غيرها من الدول لتعبر من خلالها عن أبعادها السياسية والاقتصادية؛ بالإضافة لتنشيط حركة السياحة الداخلية وتجديد الحالة الوطنية للأجيال الجديدة.. وهنا يبقي سؤال هل ستتحول كرة القدم في مصر إلى قوة ناعمة؟

عن الكاتب