تقديرات: "تداعيات قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس على الأمن القومي المصري"

Avatar
شيماء محمود

 

 

 

مقدمة:

تنظر الولايات المتحدة الأمريكية لـ”إسرائيل” بأنها أحد الركائز الأساسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؛ وهذا ما أكدته السياسة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب حيث تعتبر حكومة ترامب من أكثر الحكومات الأمريكية دعماً للأطماع الإسرائيلية في المنطقة وسنداً لها في تحقيق ذلك؛ ومن أهم المؤشرات التي تؤكد ذلك قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، تقرب دونالد ترامب ومعظم أعضاء إدارته العاملون في المناصب العليا إلى اليمين الصهيوني المتطرف، دعوة ترامب زعماء مجالس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية للمشاركة في حفل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، تحميل ترامب الفلسطينيين فشل العملية السلمية، وتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية “نشر الكراهية” وتبني بيان جاء فيه “أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تدعم إقامة دولة إرهابية في الأراضي المحتلة”، “وأن حلّ الدولتين أصبح على ما يبدو مستحيلاً الآن”.

 وفي هذا السياق لا يمكن إغفال أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من أوائل الدول التي دعت إلى فكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين؛ عبر خطة مستشار وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط مالك غي، سنة 1949. وقد أصدر الكونجرس الأمريكي في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون منذ عام 1995 قرارا بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى مدينة القدس، إلا أنه ولأسباب أمنية، تضمن قرار الكونجرس عبارة تسمح للرئيس بإصدار أمر كل ستة أشهر بتأجيل تنفيذ القرار، وهو ما استمر الرؤساء الأمريكيون على فعله منذ ذلك الحين.

وقد ظل هذا القانون شعارًا يقتصر على الحملات الانتخابية للمرشحين للرئاسة فقط، وسرعان ما يتم التراجع عنه، وتأجيل خطوة النقل بقرار من الرئيس حرصًا على الأمن القومي والمصالح الأمريكية، وانسجامًا مع مواقف الولايات المتحدة المعلنة بأن وضع القدس الشرقية النهائي يتحدد من خلال التسوية النهائية. إلا أن ترامب بقراره المتوقع يخالف كل السياسات الأمريكية الرافضة لعملية نقل السفارة، وضاربا بكل التهديدات العربية والإسلامية عرض الحائط. وقد أوضح ترامب أن قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس تعتبر خطوة "متأخرة جدا" من أجل دفع عملية السلام في الشرق الأوسط، زاعما سعيه نحو مستقبل آمن في المنطقة، حيث قال: إن القرار يعكس "مقاربة جديدة" تجاه "النزاع العربي- الإسرائيلي". وقد آثار قرار ترامب، رفض وتنديد العديد من الدول العربية والأوروبية، مؤكدين تجاهله للمكانة الخاصة التي تمثلها «مدينة القدس» في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، بالإضافة إلى تعقيد الوضع في المنطقة العربية، وتقويض فرص «عملية السلام» في الشرق الأوسط. وفيما يلي سيتم استعراض رد الفعل المصري على القرار وعدد من دول الشرق الأوسط ثم سيتم عرض السيناريوهات المحتملة لتهديد الأمن القومي المصري ومن ثم التوصيات الخاتمة.

طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي:

بالنظر للطبيعة الهيكلية للصراع العربي الإسرائيلي نجد أن الصراع بين العرب وإسرائيل ليس مجرد اختلاف حول قضية معينة ولكنه نابع بصفة أساسية من الأبنية الثقافية والحضارية والقومية للمجتمعات العربية والمجتمع الإسرائيلي فنحن أمام نمطين مختلفين من الهوية القومية والتوجه الحضاري والانتماء الديني والتركيب اللغوي والثقافي والتركيب الاجتماعي والطبقي والأهم من ذلك كله وعي شديد لدى الشعوب العربية والإسرائيلية بهذا التفاوت وقد أدت هذه الطبيعة الهيكيلة لجذور الصراع إلى ديمومته وشموله لكل أبعاد التفاعل العربي الإسرائيلي ولذلك يطلق بعض الدارسين على الصراع العربي الإسرائيلي صفة الصراع الاجتماعي الممتد (Social Protracted Conflict) ويقصدون بذلك إنه صراع يتسم بثلاث خصائص رئيسية:

-       صراع ممتد على فترة زمنية طويلة تناهز النصف قرن.

-       تعدد وتشعب قضاياه من مجرد صراع حول إقليم فلسطين إلى قضايا أكثر شمولاً.

-       صراع يتسم بالتذبذب الشديد في تكرار وكثافة التفاعلات ففي خلال النصف قرن حدثت ست مواجهات عسكرية شاملة إلى جانب العديد من الحروب الصغيرة وحروب الدعاية والمقاطعة الاقتصادية والتشهير السياسي.

التفاوض Negotation:

هي عملية تستهدف الوصول إلى حلول مقبولة، أو اتفاق يسهم في تحقيق مصلحة طرفين أو أكثر يربطهم موقف مشترك، فهنا التفاوض أو المفاوضات في العلاقات الدولية هي عملية غايتها الوصول إلى تسوية سياسية، وهنا يوجد عدة عناصر تعد بمثابة أركان او ركائز أساسية تبنى عليها عملية التفاوض، وغيابها يعد بمثابة هدم لركن هام ويؤدي إلى تقويض عملية التفاوض قبل أن تبدأ وهي كالآتي:

-       القدرات المادية.

-       توافر الخيارات الأخرى.

-       القدرة التفاوضية.

-       التوقيت المناسب.

 

 

أولاً رد فعل بعض دول الشرق الأوسط تجاه قرار ترامب:

في إطار سعي الدول العربية خلال العقود الماضية لتحقيق عملية التسوية السلمية للصراع العربي- الإسرائيلي وخاصة القضية الفلسطينية وتبني مبدأ حل الدولتين لإنهاء ذلك الصراع وإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط، لكن القرار الذي صدر عن صانع القرار الأمريكي يقوض عملية السلام؛ ونتج عن هذا القرار ردود الفعل الاستنكارية من جانب بعض دول الشرق الأوسط.

-       الموقف المصري: أعرب الرئيس عبدالفتاح السيسي، عن رفض مصر لهذا القرار ولأي آثار مترتبة عليه، وأكد على الموقف المصري الثابت بشأن الحفاظ على الوضعية القانونية للقدس في إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة. وشدد على ضرورة العمل على عدم تعقيد الوضع بالمنطقة من خلال اتخاذ إجراءات من شأنها تقويض فرص السلام في الشرق الأوسط.

كما أعربت مصر، في بيان صادر عن وزارة الخارجية عن استنكارها لقرار الولايات المتحدة الأمريكية، وأكدت أن اتخاذ مثل هذه القرارات الأحادية يعد مخالفاً لقرارات الشرعية الدولية، ولن يغير من الوضعية القانونية لمدينة «القدس» باعتبارها واقعة تحت الاحتلال، وعدم جواز القيام بأي أعمال من شأنها تغيير الوضع القائم في المدينة.

كما استنكر مجلس النواب المصري، القرار وحذر من عواقبه على عملية السلام، وطالب الإدارة الأمريكية بالتراجع عن قرارها الذي وصفه بـ"نكبة للشعب الفلسطيني"، مؤكدا أنه سيؤدي لانفجار الأوضاع وتصعيد لغة الإرهاب وعدم الاستقرار.  وأكد مجلس النواب، أن مصر تعتبر القضية الفلسطينية هي لب الصراع «العربي_الإسرائيلي» ومفتاح الاستقرار والأمن في المنطقة، وأن محاولات الجانب الإسرائيلي المتكررة في تغيير معالم القدس وتركيبتها الديمغرافية لن تنجح في طمس هويتها الإسلامية والعربية.

-       الموقف السعودي: أكد الملك سلمان بن عبد العزيز، للرئيس الأمريكي، خلال اتصال هاتفي - بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء السعودية - أن "أي إعلان أمريكي بشأن وضع القدس يسبق الوصول إلى تسوية نهائية سيضر بمفاوضات السلام، ويزيد التوتر في المنطقة"، موضحاً أن "سياسة المملكة كانت ولا تزال داعمة للشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية.

-       الموقف الأردني:  اعتبرت الحكومة الأردنية، أن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل خرق للشرعية الدولية والميثاق الأممي. كما حذر الملك عبدالله الثاني بن الحسين، العاهل الأردني، من خطورة اتخاذ أي قرار خارج إطار حل شامل يحقق إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، مشددا على أن القدس هي مفتاح تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة والعالم. وأكد العاهل الأردني، أن اتخاذ هذا القرار ستكون له انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وسيقوض جهود الإدارة الأمريكية لاستئناف العملية السلمية، كما أجرى الملك عبدالله، اتصالا هاتفيا مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أكد خلاله دعم الأردن الكامل للأشقاء الفلسطينيين في الحفاظ على حقوقهم التاريخية الراسخة في مدينة القدس، وضرورة العمل يدا واحدة لمواجهة تبعات هذا القرار، والتصدي لما يقوض آمال الشعب الفلسطيني في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

-       الموقف اللبناني:  وصف الرّئيس اللبناني، ميشال عون، موقف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بـ"أنه خطير ويهدد مصدقيه الولايات المتحدة كراعية لعملية السلام في المنطقة، وينسف الوضع الخاص الذي اكتسبته القدس على مدى التاريخ. ودعا "عون"، الدول العربية إلى وقفة واحدة لإعادة الهوية العربية إلى القدس ومنع تغييرها، والضغط لإعادة الاعتبار إلى القرارات الدولية ومبادرة السلام العربية كسبيل وحيد لإحلال السلام العادل والشامل الذي يعيد الحقوق إلى أصحابها.

-       الموقف التركي:  اعتبرت تركيا قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول القدس غير مسئول. ونددت وزارة الخارجية التركية، باعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإٍسرائيل. ودعت الوزارة التركية، في بيان لها، الإدارة الأمريكية لإعادة النظر في قرارها الخاطئ حول "القدس" والابتعاد عن الخطوات "غير المدروسة.

-       الموقف السوري: أعلنت الرئاسة السورية، أن "مستقبل القدس لا تحدده دولة أو رئيس". وكتبت الرئاسة السورية على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، إن "مستقبل القدس لا تحدّده دولة أو رئيس، بل يحدّده تاريخها وإرادة وعزم الأوفياء للقضية الفلسطينية التي ستبقى حيّة في ضمير الأمة العربية حتى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس".

 

السيناريوهات المتوقعة لتهديد الأمن القومي المصري:

أولا المخططات الصهيونية وفكرة توطين الفلسطينيين في سيناء:

تعد فكرة توطين الفلسطينيين في سيناء تطبيقاً للحكم الصهيوني بالتخلص من الشعب الفلسطيني وتوطينه في بيئات خارجية وقد ظهر ذلك في عدة مشروعات رفضها رؤساء مصر بدءً من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إلى الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، على الرغم من سعي إسرائيل المتواصل لإعادة طرحه، وأهم هذه المشروعات:

1.    مشروع إيجال آلون والذي ظهر سنة 1967، والذي دعي إلى فكرة توطين الفلسطينيين في سيناء استغلالاً لظروف “عجز السلطات المصرية في فرض سيطرتها الأمنية في سيناء".

2.    مشروع مستشار الأمن القومي الصهيوني جيورا أيلاند سنة 2004، والذي دعي إلى تنازل مصر عن 600 كم2 من سيناء بغرض توطين اللاجئين. مقابل أن يتنازل الكيان الصهيوني عن 200 كم2 من أراضي صحراء النقب لصالح مصر، ومنحها بعض المكاسب الاقتصادية.

3.    خطة يوشع بن آريه سنة 2013، والتي تنص على أن تُمدَّد حدود قطاع غزة إلى حدود مدينة العريش لتضم مدينتي رفح والشيخ زويد لقطاع غزة، ومن ثم توطين اللاجئين الفلسطينيين فيها.

4.    تصريح الوزيرة الإسرائيلية "جيلا جامليئيل" الذي أطلقته في مصر أثناء مشاركتها في مؤتمر المرأة التابع للأمم المتحدة حيث صرحت بأن "سيناء هي أفضل مكان لإقامة الدولة الفلسطينية"، وقد أتي هذا التصريح بالتزامن مع ما يتم الترويج له الآن باسم "صفقة القرن" التي رددها مسئولون وقادة من بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والتي لم يعلن عن تفاصيلها حتى الآن، سوى تسريبات تتضمن مخططاً تقدم به يهودي الديانة جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي، الذي عينه كبير مستشاري البيت الأبيض، ومبعوثه الخاص للسلام في الشرق الأوسط. وقد قام كوشنر بمناقشة هذا المخطط مع بعض العواصم في المنطقة الخليجية منها بشكل خاص، على اعتبار أنها هي التي سوف تتبنى الترويج والضغط على أطراف القضية، لذا فإن الوزيرة الإسرائيلية قالت: إن الدول العربية لديها القدرة على دفع مثل هذه الفكرة "دولة فلسطينية في سيناء" وخلق نشاط اقتصادي كبير في هذا المشروع، ولدينا القدرة على تقديم حلول في مجالات الزراعة والتكنولوجيا وقد تزامن تصريح الوزيرة الإسرائيلية مع المذبحة التي شهدتها مدينة العريش. وهذا يؤكد أن موضوع توطين الفلسطينيين في سيناء حاضر حتى الآن في العقل الإسرائيلي.

5.    عقب ذلك، بثت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» وثائق زعمت أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وافق منذ أكثر من ثلاثة عقود على توطين الفلسطينيين في مصر، وقد اشترط أن يتم التوصل مسبقاً إلى اتفاق حول إطار عام لتسوية شاملة للصراع العربي- الإسرائيلي، وذلك خلال محادثات أجريت مع رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر، حين توقف في لندن وهو في طريقه عائداً من واشنطن عقب لقائه هناك بالرئيس الأميركي رونالد ريغان. وقد أصدر مبارك بياناً نفى فيه موافقته في أي وقت على توطين فلسطينيين في مصر، وذكر فيه عدم وجود صحة لأي مزاعم عن قبول مصر توطين فلسطينيين بها، وتحديدا الموجودين منهم في لبنان في ذلك الوقت، فقد كانت هناك مساع من بعض الأطراف لإقناعه بتوطين بعض الفلسطينيين الموجودين في لبنان في ذلك الوقت بمصر، وهو ما رفضه رفضا قاطعاً. وأضاف الرئيس الأسبق موضحا إنه رفضت كل المحاولات والمساعي اللاحقة، إما لتوطين فلسطينيين في مصر، أو مجرد التفكير فيما طرح عليه من قبل إسرائيل، وتحديدا عام 2010 بتوطين إسرائيل في جزء من أراضي سيناء من خلال مقترح لتبادل أراض، كان قد ذكره رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، وقد أكد له على الفور في هذا اللقاء عدم استعداد مصر للاستماع لأي طروحات في هذا الإطار مجددا.

وسرد مبارك ما حدث إبان الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، قائلا: "كانت الأمور تسير في اتجاه اشتعال الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وكان ذلك بعد شهور من إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، وفي ظل هذا العدوان الإسرائيلي، واجتياحه بلدا عربيا ووصول قواته إلى بيروت، اتخذت قراري بسحب السفير المصري من إسرائيل، وعملت على تأمين خروج الفلسطينيين المحاصرين في بيروت، وتابع مبارك مبرزا أن مصر «قامت بالفعل بتأمين خروج الفلسطينيين المحاصرين في بيروت، وعلى رأسهم ياسر عرفات، وتم مرورهم من قناة السويس متجهين إلى اليمن، ولقد استقبلت ياسر عرفات لدى توقف الباخرة المقلة له ورفاقه في قناة السويس، مؤكدا على دور مصر الإقليمي في الوقوف مع الشعب الفلسطيني للحصول على حقوقه المشروعة.

 

إرهاب إسرائيل يهدد أمن مصر والمنطقة العربية:  

 بالنظر للتقارير التي توضح دور إسرائيل وأمريكا في نقل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" إلى سيناء بعد هزيمته في الرقة السورية، سنجد أن داعش سيكون العامل الأساسي في تنفيذ وإكمال مخطط التقسيم للوطن العربي حيث أن أي مقاومة ستكون إرهاباً، أي دفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية سيتم التعامل معه باعتباره تهديداً للسلام العالمي.

وفي هذا السياق يري الباحث أن قرار الاعتراف بالقدس تم اتخاذه بعد أن اطمأنت واشنطن إلى أن كل عملية ضد أي هدف أمريكي سيتبعها انتقام أمريكي وشروط مذلة كأن نقبل قواعد أو نتنازل عن أرض أو نمنح تسهيلات، حيث أن تهويد القدس هو نهاية مخطط الشرق الأوسط الكبير الذي أفسده الجيش المصري بالقضاء على الإخوان فإذا بهم يحاولون تهديد الأمن القومي المصري والأمن الإقليمي من خلال تهويد القدس حيث لم يحترم ترامب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي والتي أكدت بأغلبية ١٥١ دولة أنه لا علاقة للقدس بإسرائيل. وقد أكد رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، الدكتور جمال عبد الجواد: "أن لهذا القرار تأثير كبير في الشأن العالمي، حيث يُعتبر قرار نقل السفارة إلى القدس هو تقويض لعملية السلام، كما سيساهم في هدم أي تسوية سياسية بين الفلسطينيين، والإسرائيليين من الممكن أن تحدث".

وقد أضاف "عبد الجواد" أن "هناك قوانين دولية تحدد الأراضي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بالإضافة إلى العديد من القرارات الدولية التي صدرت على مدار أعوام عديدة بخصوص الوضع داخل القدس، فبصدور هذا القرار، يعني ذلك نسف كل المواثيق، والقرارات التي صدرت لتنظيم الأمور، بل وتقويض أي فرصة للوصول إلى اتفاق شامل ونهائي".

 

انتشار الجماعات الإرهابية في مصر ودول الشرق الاوسط:

حذّر مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية من تداعيات قرار الولايات المتحدة الأمريكية بنقل السفارة الأمريكية للقدس وعزمها إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، مؤكدًا أن هذا القرار يعزز من تصاعد الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، وأن هذه الخطوة ستكون ذريعة للجماعات المتشددة والتنظيمات المتطرفة في تكريس حالة الغضب والإحباط واليأس التي تشكل بيئة خصبة لنشر أفكارهم، حيث ستنتهز التنظيمات الإرهابية هذه الفرصة لتصوِّر القرار على أنه إعلان حرب على الإسلام والمسلمين، ما يفجر حالة من الغليان لدى الشعوب الإسلامية والعربية، وتأليبها على أنظمتها والمصالح الغربية في الشرق الأوسط.

وأضاف المرصد أن هذه السياسات تؤجج لهيب الصراع المشتعل في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من التنافس المحتدم بين التنظيمات الإرهابية الناشطة فيها والتي تسعى إلى الاستفادة من أي أحداث لتكون في صدارة ما تزعم أنه "حركة الجهاد العالمية.

ومما يؤكد ذلك الحادث الإرهابي علي كمين الماسورة في مدينة رفح المصرية، على الحدود مع قطاع غزة، من ردود الفعل بعد أن استشهد على إثره ‏15 ضابطا من الجيش المصري، كما أصيب‏7‏ آخرون، حوله وحول تداعياته من الحوار والتعاون الأمني بين مصر وإسرائيل- الذي نظنه مستمرا- لتأمين هذه المنطقة، أو احتمالات دولنة غزة وتمددها عبر الشريط الحدودي مع مصر، إلى مستقبل تنظيم القاعدة في سيناء، بعد اتهامات وأنباء عن سيطرة واضحة عليه من قبل أنصار القاعدة والمجرمين بعد الثورة وفترات الانفلات الأمني التي تلتها.

تزايد التسلح النووي لإسرائيل على حساب دول الشرق باقي دول الشرق الأوسط، مما سيؤدي إلى تنامي الدور الإقليمي لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط وحدوث تصادم مصري إسرائيلي، وتحاول إسرائيل تزويد القـدرة النوويـة لها وتطويرهـا مـن اجـل ردع أي دولـة تحـاول مـس أمنها ومـن ثـم فـان امـتلاك إسرائيل للأسلحة النوويـة مـرتبط بشـكل وثيـق بنظريـة الأمن الإسرائيلية التـي تمثـل الدعامـة الرئيسـة لسياسـة إسرائيل[1] وعقيـدتها لـذا فـإن إسرائيل لم توقع على أي اتفاقية متعلقة بمنع الانتشار النووي وحظر التجارب النووية. كما أن التفــوق الإسرائيلي فــي المجـــال النـــووي علــى دول الشـــرق الأوسط يخلق تــأثير بارزاً في المعطيات السياسية والعسكرية لأنه يخلق حالة من انعدام التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

المصالحة الفلسطينية:

قد يؤثر قرار ترامب على عرقلة عملية السلام التي دعت إليها مصر من خلال المصالحة الفلسطينية والتي تعتبر خطوة أولى وضرورية لإحياء عملية السلام، واستئناف التفاوض الإسرائيلي- الفلسطيني حول التسوية النهائية لإيجاد حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967، وذلك على أساس مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك السعودى الراحل "عبد الله" عام 2002 في القمة العربية التي عقدت ببيروت، وهى المبادرة التى أكدت آلية التنسيق الثلاثية الترويكا العربية (مصر، والأردن، وفلسطين) كونها الأساس والمرجعية خلال الدخول في أي عملية تفاوضية مع الجانب الإسرائيلي.

كما نجد أن في حالة فشل مصر في تحقيق السلام المنشود من إتمام المصالحة الفلسطينية، فإن ذلك سيعمل على فقدان الثقة في استعادة مصر لدورها الإقليمي كدولة رائدة راعية للأمن القومي العربي.

التوصيات والمقترحات:

وهنا يجدر بنا القول بأن من يسيطر على فلسطين، يهدد خط دفاع سيناء الاول، ومن يسيطر على خط دفاع سيناء الاوسط يتحكم في سيناء، من يسيطر على سيناء يتحكم في خط دفاع مصر الاخير، من يسيطر خط دفاع مصر الاخير، يهدد الوادى، لذا لابد من ضرورة توحيد الجهود العربية للوقوف ضد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس حيث يرى الباحث إنه مخطط أمريكي لإثارة القلق وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط خاصة في ظل الظروف التي يمر بها الشرق الأوسط من نزاعات طائفية وإرهاب وما تعانيه بلدان الشرق الأوسط بعد ثورات الربيع العربي، حيث يوجد خلل كبير في موازين القوى الإقليمية لصالح الطرف الصهيوني، لذا يتعين:

1.    اتخاذ الدول العربية قرارات حاسمة بشأن القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وذلك من خلال الضغط السياسي والاقتصادي على صانع القرار الأمريكي للتراجع عن القرار.

2.    إعلان جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بكامل أعضائها الاعتراف بالسلطة الفلسطينية بصفة جمهورية فلسطين العربية وعاصمتها القدس الشريف.

3.    مطالبة الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر التعاون الإسلامي، وحركة عدم الانحياز باتخاذ مواقف حاسمة، وإصدار بيانات تحذر من تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال مشاريع التوطين وغيرها من المشاريع التي تعود أثرها على منطقة الشرق الأوسط بالكامل.

4.    تعزيز سبل الدعم الاقتصادي بين الحكومات العربية وحكومة جمهورية فلسطين العربية، إضافة إلى دعوة الدول العربية كافة دول العالم لتبادل التمثيل الدبلوماسي لها مع فلسطين.

5.    تكثيف النشاط الإعلامي والتوعوي في الوسط الفلسطيني حول مؤامرات التوطين ومخاطرها.

6.    إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني بشكل يستوعب كافة القوى والشرائح، وبما يعمق البناء المؤسسي الذي لا يتأثر بوفاة الأشخاص وتغير القادة.

7.    التأكيد على الوحدة الجغرافية لفلسطين وأن الضفة الغربية وقطاع غزة هما جزءان لا يتجزآن منها.

8.    تأمين الحدود المصرية الفلسطينية لمنع تسلل التنظيمات الإرهابية.

9.    إنهاء التعامل بالدولار في العمليات التجارية البينية بين الدول العربية.

10.    مقاطعة كافة المحافل الدولية التي تدعو لها الولايات المتحدة وعدم تقديم أي دعوة لها بالفاعليات العربية.

11.    إضراب اتحاد العمال العرب عن تفريغ أي سفن ترفع علم الولايات المتحدة في الموانئ العربية.

12.     العمل على تجميد الاستثمارات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية.

13.    تشجيع  الدول العربية والإسلامية مواطنيها لزيارة القدس الشريف من خلال الأردن، فهذا ليس تطبيعا كما أكد الرئيس الفلسطيني ولكن زيارة لدعم حق مسجون لا تطبيع مع سجان.

14.    إطلاق محور دعم دولي يعترف بجمهورية فلسطين العربية وتتبني تلك الكتلة مشروع قرار يطالب الامم المتحدة بأحقية الدول الموقعة على وثيقة جمهورية فلسطين العربية في إنشاء سفارات لهم بالقدس كعاصمة فلسطين  وهو ما يعتبر شرعية ودعما للقضية في ذاته، ورغم أن تطبيق هذا القرار من الصعب تنفيذه إجرائيا لاستحواذ إسرائيل على القدس إلا أن رفع مطلب جمعي في حد ذاته هي قوة ضغط ضاربة ومكسب للقضية الفلسطينية بنقل الخصومة من الإطار الإقليمي والعربي للدولي.

15.    تدويل القضية الفلسطينية والمطالبة بالتحكيم الدولي في تبعية القدس كعاصمة مزعومة لدولة الاحتلال.

خاتمة:

يري الباحث أن القرار الأمريكي ما هو إلا استغلال للانقسام العربي وضربة لاستقرار المنطقة وقد يكون هذا القرار خطوة أولى متفقاً عليها لبدء سقف مرتفع للمفاوضات لتحصيل أكبر قدر من التنازلات، كما أن هذه الخطوة ستؤثر على أمن المنطقة العربية كافة حيث توجد علاقة طردية بين أوضاع السلام في الشرق الأوسط وتنامي الإرهاب وتصاعد العنف، ذلك أن غالبية التيارات الجهادية التي تؤمن بالعنف تأخذ من المواقف الأمريكية والإسرائيلية تجاه المقدسات في فلسطين مبرراً لتنامي دور الإرهاب في المنطقة. وسيؤثر هذا القرار أيضا على جهود مصر لإحلال السلام وتمادي إسرائيل بجعل القدس عاصمة لها سيقوى من انتهاكاتها لدول الجوار العربي، وستستمر الانتهاكات الإسرائيلية لخرق الاتفاقات الدولية ولا سيما خرقها لبنود اتفاقية كامب ديفيد واختراق للسلام المصري – الإسرائيلي.

 

قائمة المراجع:

-       "التقدير الاستراتيجي 98: مشروع توطين الفلسطينيين في سيناء إلى أين"، متاح على الرابط https://www.alzaytouna.net

-       "سيناء في مشاريع تسوية القضية الفلسطينية"، متاح على الرابط                http://www.alhayat.com                                                   

-       "هذه هي تداعيات نقل السفارة الامريكية للقدس..كفاح مسلح وأبواب جهنم"، متاح على الرابط، https://sabq.org/jSZzRK

-       جمال سلامة، "مبادىء العلوم السياسية اقتراب واقعي من المفاهيم والمتغيرات"، (القاهرة: دار النهضة العربية، 2012).

-       حسنين كروم، "تصريحات الوزيرة الإسرائيلية حول توطين الفلسطينيين في سيناء بالون اختبار"، متاح على الرابط       http://www.alquds.co.uk/?p=835965

-        عزة عطية، "العرب رداً على قرار ترامب لا سلام بعد اليوم"، متاح على الرابط https://www.elwatannews.com                                             

-       محمد السيد سليم، "رؤية مستقبلية للتطور في الوطن العربي: المسارات المحتملة للصراع العربي الإسرائيلي"، السياسة الدولية، 2015.

-       محمد شحته، "مرصد الإفتاء عن نقل السفارة الأمريكية للقدس: يعزز الإرهاب"، متاح على الرابط، https://www.elbalad.news

-       محمد عبده حسنين، "مبارك ينفي موافقته على مقترحات بتوطين فلسطينيين في سيناء"، متاح على الرابط https://aawsat.com

-       محمد علي إبراهيم، " القدس يهودية ومصير الهنود الحمر"،متاح على الرابط http://today.almasryalyoum.com                                     

-       مصطفى علوي،"قضايا دولية معاصرة"، (جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم الساياسة،  2015).

-        مصطفى ماهر، "مشروع عمره 60 عاماً: ما حقيقة توطين الفلسطينيين في سيناء"، متاح على الرابط، https://yallafeed.com  

-       منى سليمان، "أبعاد توقيع فتح وحماس اتفاق المصالحة برعاية مصرية"، متاح على الرابط، http://www.siyassa.org.eg

-       هيثم البشلاوي، "الطريق إلى جمهورية فلسطين العربية 1"، متاح على الرابط، http://www.roayahnews.com

-       هيثم البشلاوي، "الطريق إلى جمهورية فلسطين العربية 2"، متاح على الرابط http://www.roayahnews.com



[1] - لمزيد من التفاصيل أنظر محاضرة أ.د أحمد يوسف أحمد، ألقيت بعنوان "نظم سياسية عربية"، الفرقة الرابعة علوم سياسية، 2017.

عن الكاتب