تقديرات: تداعيات الأزمة الليبية على الأمن القومي المصري

Avatar
محمد ربيع

مقدمة

لعبت القوى الكبرى دورا كبيرا في إدارة الملف الليبي منذ اندلاع الثورة الليبية في 17 فبراير2011، ضد نظام الرئيس الليبي “معمر القذافي“، واتضح ذالك الدور بإعلان الولايات المتحدة الأمريكية الرغبة في التدخل العسكري للإطاحة بنظام الليبي وتسليح المعارضة، واقترحت فرنسا على الاتحاد الأوروبي تطبيق عقوبات على نظام، ومن ثم تم تنبني القرار رقم 1973 الصادر من مجلس الأمن.

بدأت القوى الأوروبية تبحث عن مصالحها الخاصة في طرابلس إبان الثورة الليبية فالبعض بادر بالتدخل في الأوضاع الداخلية والبعض الأخر كان حذراً في التعامل مع هذه التطورات المتلاحقة، حيث قضت الحرب الأهلية التي اندلعت إبان سقوط القذفي على الأمن والاستقرار داخل البلاد، لتجد دول الجوار الجغرافي الليبي ومن بينها مصر، أمام تحد كبير في تأمين حدودها مع الدولة ذات الحدود الصحراوية الشاسعة.

في ظل الاحتراب داخل ليبيا وسيطرة 1500 مليشيا وتصارع ثلاث حكومات في ما بينها لنيل الشرعية الدولية، هي الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب برئاسة “عبد الله الثني“، ومقرها طبرق، شرقاً، وحكومتا الإنقاذ المنبثقتان عن المؤتمر الوطني العام برئاسة “خليفة الغويل“، والوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات برئاسة “فايز السراج“، غرباً، فضلاً عن السلطة التي يمثلها اللواء المتقاعد “خليفة حفتر“، والتي لا تخضع لحكومة الثني وإن تحالفت معها، ما جعل الحدود الليبية توصف بالرخوة أو السائبة تمثل تهديدا لأمن دول الجوار، وسنركز انعكاسات ألازمه الليبية على الأمن القومي المصري.

 

أولا: تعريف الأمن القومي

طرأ على مفهوم الأمن القومي العديد من التغير خلال العقود الأخيرة فلم يعد يقتصر على المفهوم الضيق المحصور في الأمن العسكري، المرتبط بأمن الحدود من أي الهجوم الخارجي، بل اتسع ليشمل الأمن الغذائي والأمن الاقتصادي، وسنتطرق إلى إحدى مصادر تهديد الأمن القومي المصري ألا وهو أمن الحدود مع ليبيا.

وبالرغم من استخدامه على نطاق واسع، فإن مفهوم “الأمن القومي” يعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين، فتقليدياً كان يتم تعريف الأمن القومي على أنه الحماية من الهجوم الخارجي، وبالتالي فقد تم النظر إليه بشكل أساسي على أنه يعني دفاعات عسكرية في مواجهة تهديدات عسكرية، وقد ثبت أن هذه الرؤية ضيقة جيداً، فالأمن القومي يتضمن ما هو أكثر من تجهيز قوات مسلحة واستخدامها.

 

  • الأمن القومي:

ويقصد بالأمن القومي قدره الدولة على التصدي للأخطار التي تواجه مكوناتها الثلاثة (الأرض والمجتمع والنظام) ويقصد بالأمن القومي أمن الدولة القومية وأحيانا يوصف بالأمن الوطني.

ويرى “جيرالد هويلر” في دائرة المعارف الأمريكية أنه “حماية الدولة ضد جميع الأخطار الداخلية والخارجية”.

أكد “روبرت ماكتمارا”  في كتابه “جوهر الأمن”  أن الأمن القومي هو التنمية حيث أن القدرة العسكرية وحدها ليست قادرة على فرض الأمن أو الحفاظ عليه ولكن أساس الأمن يتمثل في بناء اجتماعي مستقر.

 

  • الأمن الإقليمي:

يقصد به سياسة عده دول تنتمي لإقليم واحد يمثل نظاما فرعيا من النظام الدولي ويرتبط الأمن الإقليمي بدراسات الإقليم عموما أو نمط منظم من التفاعلات بين وحدات سياسية مستقلة داخل إقليم جغرافي معين يفترض أنه يتسم بالنمطية وكثافة التفاعلات بما يجعل التغير في جزء منها يؤثر في بقيه الأجزاء وبما يؤدى ويحمل ضمنا اعترافا داخليا وخارجيا بهذا النظام كنمط مميز من الإجراءات الداخلية والخارجية التي تنتهجها الدولة للحفاظ على أمنها.

 

  • الأمن دون الإقليمي:

وهو لا يمثل أعضاء الإقليم كافه بل يضم مجموعة من الدول التي ترى أن لها خصوصية ما سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي ومن ذلك دول مجلس التعاون الخليجي.

 

ثانيا: العلاقات المصرية الليبية

مرت العلاقات المصرية الليبية، حالة من المد والجزر فـي الـعـلاقـات الثنائية منذ الفترة الملكية، إذ كانت الحكومة الملكية في ليبيا تنظر ثورة يوليو 1952 الذي أسقط الملكية المصرية، على أنه مصدر تهديد للاستقرار الأمني داخل ليبيا، لذلك، استقبلت المعارضين لحكومة الرئيس “جمال عبد الناصر” من جماعة الإخـوان المسلمين في ستينيات القرن العشرين ورفضت تسليمهم إلى حكومة مصر، وبذلك توترت العلاقات بين الطرفين، على اعتبار أن الحكومة الملكية كانت تنظر إلـى التغيير في مصر على أنـه عنصر عـدم استقرار إقليمي والـخـوف مـن أن تنتقل تجربة الثورة المصرية إليها.

وعاد الدفء من جديد للعلاقات المصرية الليبية بعد أحداث سبتمبر١٩٦٩، بوصول “معمر القذافي” للحكم بعد ثورة على الملك الإدريسي وإعلان نظام الجماهيرية، وسعى القذافي في الثماني سنوات الأولى تطبيق النموذج الاشتراكي كنظام حكم يضم كافة القوى السياسية.

كما سعى “القذافي” للوحدة مع الدولة المصرية وذلك بتوقيع ميثاق طرابلس ديسمبر 1969 الذي تضمن ما يسُمي بالجبهة القومية العربية، وفي مرحلة لاحقة انضمت سوريا وتم إعلان اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وليبيا وسوريا في 17 أبريل 1971.

تغيَّرت الأوضاع من جديد بعد معاهدة كامب ديفيد وظهرت الخلافات بين البلدين، الي حد كان من الممكن أن يودي إلى قيام حرب بين البلدين، وطالب القذافي في قمة بغداد١٩٧٨، بضرورة إخراج مصر من الجامعة العربية.

وسرعان ما تم ترميم العلاقات المصرية الليبية فـي تسعينيات الـقـرن العشرين مـع عـودة مصر إلى الجامعة العربية، ونقل مقرها من تونس إلى القاهرة في عام١٩٩٠، وتوطدت العلاقات المصرية الليبية في ظل ظهور أزمة (لوكيربي) الحصار الدولي على ليبيا 1992، وأصبحت الحدود البرية الشرقية الليبية مع مصر بوابة رئيسة لدخول البضائع وحركة التجارة والأشخاص مع العالم الخارجي، وبعد رفع الحصار الدولي وعـودة الصادرات النفطية الليبية إلى الأسـواق الدولية، الذي خلق مئات الآلاف من مناصب الشغل للمصريين الذين كانوا يمثلون مصادر مهمة للعملة الصعبة للاقتصاد المصري.

وأثناء الأحداث في ليبيا كان أعلنت مصر عدم مشاركة التحالف الدولي بالقيام بعمليات عسكرية لحماية المدنيين بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 1973 في بيان أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة ووفرت مصر الرعاية للمصريين والليبيين والأجانب الوافدين من ليبيا عبر الحدود البرية أو البحرية أو الجوية  خلال تلك الأزمة.

 

ثالثا: جهود مصر لإدارة  ملف الأزمة الليبية

ظل الموقف المصري رافض تماما لما يحدث في ليبيا، مطالبا المجتمع الدولي بتبني دورة وتسليح الجيش الليبي، وحرصت القاهرة على لعب دور الوسيط بين الأطراف الليبية؛ واستضافت سلسلة من الاجتماعات مع القيادات الليبية بمجلس النواب والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة في محاولة للوئام السياسي بين الأشقاء الليبيين، والعودة إلى مخرجات اتفاق الصخيرات، والعملَ على تطبيقها بشكل توافقي، خاصة ما يتعلق منها بالإجراءات القانونية والدستورية لشرعنه حكومة الوفاق الوطني.

حرصت مصر على توحيد الجيش الليبي، من خلال استضافة الاجتماعات من أجل إعادة توحيد المؤسسة العسكرية، حيث قامت اللجنة المصرية المعنية بليبيا في 18 سبتمبر 2017 باستضافة لجنتي التواصل العسكري بليبيا، ونتج عن اللقاء تشكيل مجموعة من اللجان النوعية والفنية التي ستعقد مجموعة من اللقاءات الدورية لبحث آليات تشكيل جيش ليبي قوي وموحد، وقادر على تمثيل مختلف فئات الشعب إضافة إلى اللقاءات الرامية للتوصل لمصالحات مجتمعية وقبلية بين أبناء الشعب الليبي الشقيق من مختلف المدن والمناطق.

كما تبنت القاهرة الأزمة الليبية في المحافل الدولية وحرص الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي”، بعرض الرؤية المصرية لحل الأزمة خلال اجتماعات الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة  الجمعية العامة خلال الاجتماع الذي نظمته الأمم المتحدة حول ليبيا، والذي شارك فيه عدد من رؤساء الدول والحكومات، من بينهم رئيس فرنسا، ورؤساء حكومات إيطاليا وبريطانيا، بالإضافة إلى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني “فايز السراج”، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، وطرحت القاهرة 4 محاور لحل الأزمة في ليبيا، ودعم استقرار الأوضاع واستعادة سيادة الدولة وهي:

 

1- دعم المجتمع الدولي

ضرورة أن يدعم المجتمع الدولي للجهود التي تقودها الأمم المتحدة لإنجاز تسوية سياسية شاملة في ليبيا، يتوصل إليها الليبيون أنفسهم ويتوافقون عليها دون فرض أي طرف الوصاية عليهم.

2- تسوية سياسية

تكون من خلال التوصل بشكل سريع، لتسوية شاملة قبل انتهاء الفترة الانتقالية التي حددها الاتفاق السياسي، وبما يجنب الاحتمالات الخطيرة للانزلاق إلى فراغ سياسي وأمني، والتي تهدف إلى معالجة كافة القضايا العالقة في اتفاق الصخيرات، وإنشاء إطار شرعي ودستوري يتوافق عليه الليبيون، لإدارة ما تبقى من الفترة الانتقالية سياسياً واقتصادياً وأمنياً، تمهيداً لعقد الانتخابات الرئاسية والنيابية في ليبيا خلال عام 2018، والتي سيتم على أساسها وإعادة تكوين السلطة السياسية، وعدم تجزئة عناصر الحل في ليبيا.

3- دعم قادة المؤسسات الليبية

من خلال تشجيع قادة المؤسسات الليبية الشرعية على المزيد من التواصل وإبداء المرونة السياسية والتوصل لتسويات تاريخية في جميع القضايا السابقة، والامتناع عن اتخاذ أية خطوات أحادية من شأنها أن تؤدي إلى تعقيد الوضع وتعميق أزمة الثقة بين القادة الليبيين.

4- مكافحة الإرهاب

أهمية زيادة جهود مكافحة الإرهاب في ليبيا، حيث أن فرصة التسوية في ليبيا تتطلب مواجهة شاملة وحاسمة مع التنظيمات المتطرفة، وكل طرف إقليمي ودولي يقف وراءها ويدعمها سياسياً أو مالياً أو يمدها بالسلاح والمقاتلين.

 

 

رابعًا: دوافع التحركات المصرية في ليبيا، “عوامل تهديد الأمن القومي”

تنبع أهمية التحركات المصرية لحل الأزمة الليبية، في ضوء التوقعات بتحول ليبيا إلى مركز بديل لنشاط تنظيم “داعش”، عقب انسحابه من مراكز نفوذه في كل من سوريا والعراق، إضافة إلى هشاشة الأمن الليبي في الحفاظ على الحدود المشتركة بين البلدين، وسعي القاهرة إلى تعزيز دورها الإقليمي، وأن تكون طرفاً فاعلاً في أي تسويات سياسية داخل ليبيا، لذلك يمكننا الحديث عن “عوامل تهديد الأمن القومي المصري” نتيجة للأزمة في ليبيا.

عوامل تهديد الأمن القومي: ويقصد بها كل ما يهدد القيم الداخلية وكيان الدولة ويؤدي إلى فقدان المواطنين الثقة بالنظام السياسي، سواء بفعل قوى خارجية أم داخلية، عن طريق التهديد المباشر أم غير المباشر، حيث تختلف رؤية الدول لنوع الأخطار المهددة لأمنها القومي وحدودها، وكذلك يختلف من زمان لآخر وذلك باختلاف وضعية تلك الدول، فالعوامل التي تهدد الأمن القومي المصري تختلف عن العوامل التي تهدد دولة أخرى مثل الجزائر، وربما ما يحقق الأمن القومي لدولة ما قد يهدد الأمن القومي لدولة أخرى، لذا يوجد حد أدنى تقبله الدولة في نطاق تحركها الخارجي، حيث أن أي تصرف من قبل الدول الأخرى يخرج عن هذا النطاق لابد وأن يواجه من جانب الدول التي تهدد أمنها مواجهة تتناسب ودرجة التهديد، بما يقودها إلى فكرة الدوائر الأمنية التي بتهديدها يتهدد الأمن القومي للدولة. وفيما يلي استعراض لعوامل التهديد المختلفة على كل من المستويين الداخلي والخارجي:

 

  • عوامل اقتصادية:

   أن الهدف الأساسي من الأمن القومي الاقتصادي هو حماية اقتصاد الدولة من إي تهديد مباشرا  أو غير مباشر للاقتصاد القومي للدولة.

فالوضع السياسي والاقتصادي غير المستقر في ليبيا خلق اضطرابات أمنية ومخاوف اقتصادية لدي مصر، وتشير المؤشرات إلي تراجع حجم التبادل التجاري بين مصر وليبيا  بعد الثورة فهو لا يتجاوز الـ 3 مليار دولار  في حين كان يبلغ نحو 10 مليار دولار في 2010، حيث تراجعت حجم الصادرات المصرية للسوق الليبي بنسبة 75%، ويتركز معظمها في السلع الغذائية والاستراتيجية.

في حين شكلت الثورة الليبية أزمة أمام المصرين العاملين بليبيا حيث كانت الحدود بين البلدين مفتوحة لأي مصري ولم يكن يطلب منه سوي وثيقة إثبات الشخصية، وتشير تقرير إلى أن أعداد المصريين العاملين بليبيا تجاوز الــ 3 مليون عامل مصري قبل أحداث 2011، وبعد الثورة عادت العمالة المصرية إلى بلادهم ووفقا لتقديرات وزارة القوي العاملة، بلغت أعداد العمالة المصرية العائدة من ليبيا بعد الثورة بـ420 ألفا، ومازال يوجد بليبيا حوالي 750,000 مصري يعيشون ويعملون في ليبيا، وتخطط شركات النفط المصرية إلى استئناف عملياتها في ليبيا، بما في ذلك استيراد المركبات الهيدروكربونية على نطاق واسع.

 

  • عوامل أيديولوجية:

تعد  الأزمة الليبية مصدر لتهديد الأمن القومي الأيديولوجي في المجتمع، فبعد الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين في مصر العام2013، أعلنت القاهرة جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وهدفت إلى قمع حركتهم في ليبيا، حيث تخشى القاهرة إذا ما وجد الإخوان المسلمون وغيرهم من المجموعات الإرهابية موطئ قدم قوي لهم في ليبيا، أن تصبح ليبيا ملاذاً آمناً لإخوان مصر (كما هو الحال في تركيا وقطر)، لذلك فإن حفتر، هو حليف طبيعي لمصر، فهو يدرك خطورة  وضع المعركة ضد الإخوان المسلمين، كما أنة يواجه مليشيات ليبيا، ما يوفّر إمكانية تحقيق الاستقرار إلى حد ما، لذا لم يكن أمام القاهرة خيار أفضل من دعمه.

 

جـ- عوامل عسكرية:

مع استمرار الوضع الداخلي في ليبيا على ما هو عليه، بل يزداد سوءاً على الأصعدة المختلفة يوماً بعد يوم، ويزداد معه القلق المصري والإقليمي والدولي إزاء الأوضاع في ليبيا ومدى تأثيرها على الدول المجاورة لها وعلى الوضع الإقليمي في شمال غرب إفريقيا بشكل عام.

 حيث تشكل التهديدات القادمة من الحدود الغربية لمصر عبر ليبيا واحدة من مصادر التهديد للمصالح الوطنية والأمن القومي، والتي بدأت منذ اندلاع الثورة الليبية في 17 فبراير 2011، وشكّلت خطرًا كبيرًا على دول الجوار الليبي الثلاث (مصر، تونس، الجزائر)، سواء تعلق الأمر بتهريب السلاح أو تسهيل دخول المخدرات، أو المساعدة في الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر.

فضلا عن القلق من تحول ليبيا إلى بؤرة داعمة ومساندة للتهديدات الأمنية التي تواجه دول الجوار، كالتنظيمات الإرهابية الجديدة في دول شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، وهذا ما أكد علية وزير الخارجية المصري سامح شكري في مايو 2017، إن معسكرات تدريب المتشددين في ليبيا تشكل تهديداً مباشراً لأمن مصر القومي، وقلق مصر إزاء هرب إرهابيو داعش في سوريا والعراق إلى ليبيا.

وتواجه القاهرة عددا أكبر من التهديدات بسبب استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي في ليبيا إضافة إلى أن عبء تأمين الحدود يقع بصورة كاملة على الجانب المصري بسبب عدم وجود شريك أمني قوي وفعال، حيث تتمتع الحدود المصرية الليبية بطبيعة طبوغرافية يصعب السيطرة عليها على جانبي الحدود، التي تبلغ نحو ألف و50 كيلو مترا من الشمال عند البحر المتوسط وحتى الحدود المصرية السودانية، وتشهد هذه الحدود استنفارًا أمنيًا في ظل وجود تهديدات من جانب الجماعات الإسلامية المتشددة من جماعة الإخوان وأنصار الشرعية وتنظيم داعش، الذين يتخذون من ليبيا مقرا لهم.

وتعرضت مصر لأضرار إرهابية نتيجة للأوضاع في ليبيا، كهجوم المنيا في مايو 2017، وقتل المصريين بليبيا، ما دفع الجيش المصري إلى توجيه هجمات ضد معاقل الإرهابيين في ليبيا، إضافة إلى دخول صواريخ الكورنيت المضادة للدبابات عن طريق ليبيا التي استخدمت أكثر من مرة في عمليات نفذتها العناصر الإرهابية في شمال سيناء، وكان آخرها عملية مطار العريش التي وقعت في 19 ديسمبر 2017.

 

 

خامسا: النتائج

  1. قد يكون الهدف الرئيس من عملية سيناء 2018 التي اندلعت بالتزامن مع مرور سبع سنوات على ثورة ليبيا، هو محاولة من أجل التفرغ للمشكلة الحدود المصرية الليبية، خاصة بعد تقديرات متعددة عن العائدين من تنظيم داعش في سوريا والعراق الذين يتراوح عددهم بين 4000 و5000 عائد، اتجهوا إلى شمال أفريقيا وتحديداً ليبيا وشمال سيناء، مستغلين في ذلك سهولة اختراق الحدود في هذه المنطقة في ظل استمرار مواجهة الإرهاب، طامحين لتحقيق حلم دائم.
  2. ستحافظ مصر على وحدة ليبيا، وستستمر في دعم التسوية السياسية في ليبيا والإسهام في بناء جيش ليبي قوى، لأن أي تقسيم سيضر الأمن القومي العربي بأكمله، وليس دول الجوار فقط، مما سيجعلها قضية رئيسية في السياسة الخارجية المصرية، قد تتفوق على قضية الإرهاب، وهو ما أشار إليها وزير خارجية مصر بقولة أن مصر قلقه إزاء هروب إرهابيو داعش في سوريا والعراق إلى ليبيا.
  3. احتمالية تشكيل قوة عسكرية مشتركة بين مصر ودول الجوار الجغرافي الليبي من الجزائر وتونس، فسبق وأكد المتحدث الرسمي، باسم وزارة الخارجية “أحمد أبو زيد”، أن وزير الخارجية استعرض خلال الاجتماع الثلاثي لوزراء خارجية دول جوار ليبيا مصر والجزائر وتونس، مايو 2017، أسباب قيام القوات الجوية بضرباتها المكثفة على معاقل المتطرفين في ليبيا بالتنسيق التام مع الجانب الليبي، حيث أبدت دول الجوار الليبي تفهما لهذا التوجه.
  4. احتمالية أن تسرّع الهجمات الإرهابية على عواصم غربية التحرّك الغربي لجعل الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر شريكاً يمكن الاعتماد عليه في مكافحة الإرهاب، وقد أشارت الإدارة الفرنسية الجديدة بالفعل إلى أن أولويتها تكمن في بناء جيش ليبي، وأنّ هذا يجب أن يشمل حفتر، إضافة إلى تحرك القاهرة بالتنسيق مع دول الجوار والبعثة الأممية لحل أزمة، في اتجاه دفع الليبيين إلى الحوار والتوافق حول نقاط الخلاف بما يسّهل الوصول إلى تسوية وبالتوازي؛ تحرص مصر على دعم محاولات توحيد الجيش الليبي، من خلال استضافة عدة اجتماعات لعسكريين ليبيين من الغرب والشرق بهدف بحث سبل توحيد الجيش وإبعاده عن الانقسامات والتجاذبات السياسية.
  5. يصعب تنفيذ تدخل عسكري ثاني بقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا، وهي الفكرة التي يتم تداولها في المؤسسات البحثية التي تمولها الولايات المتحدة، فلن تؤدي إلا إلى زيادة تعقيد الوضع، لكونه يثير موجة جديدة من التمرد بين أبناء الشعب الليبي، الذي يدرك أن (الناتو) هو الذي أسقط بلادهم في الحرب.

 

المراجع

عن الكاتب