تقديرات: الواجب الوطني.. هل مهمة القوات المسلحة حماية الحدود فقط؟

Avatar
أحمد عادل

منذ أن بدأت أحداث  ثورة 2011 وما ترتب عليها من تغيير نظام الحكم، وما ظهر من عوامل سلبية تمثلت في انهيار العديد من مؤسسات الدولة، وعدم قدرتها على تنفيذ مهامها الرئيسية، واضطرت القوات المسلحة للدخول لسد تلك الفجوات، وما صاحبه من إزالة كافة الحواجز السابقة في إبداء الرأي الشخصي من الاعتراض على قرارات يتخذها صانع القرار بالدولة، سواء كان في فترة تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد أو ما تلاها من تغيير في حكم البلاد حتى الآن- ظهر بشكل كبير استغلال البعض ممن لم يدركوا حقيقة ما يقولوه سواء بحسن النية أو لا بأن دور القوات المسلحة المصرية هي حماية حدود الدولة فقط.

 

ونتيجة لحجم التطور التكنولوجي والمعرفي الذي أصبح بيد كافة المواطنين الآن، وما تقدمه تلك التكنولوجيا من حجم أخبار ومعلومات لم يسبق لأي جيل من البشر أن وضع أمامه هذا الكم الهائل من البيانات، أصبح هذا الجيل غير قادر على استيعابها، ومن ثمَّ تنقيتها وفرزها مما هو مغلوط ومدسوس منها، ثم الحكم على صحتها بعد تحليل الصحيح منها، من خلال خبرته الشخصية وعمره وبيئته التي أثرت في تكوين فكره.

 

بالإضافة إلى هذا قلة المعلومات العامة الصحيحة لدى الناس، والتي أصبح الجميع يتباهى بمعرفتها وتكرارها دون دراية، سواء أكانت تصدر من شخص يعارض ما يحدث أو آخر يؤيده، وبالتالي فإن هذه البيئة الخصبة جدًا من الضبابية في المعلومات أصبحت ذخيرة لا تنضب بيد من يديرون لعبة الحرب النفسية على المستويات كافة، سواء أكان من يديرها عدو خارجي، أو متواطئ داخلي سواء علم بذلك أو لا؛ لذلك فالهجمة المعتادة في مناسباتها على القوات المسلحة المصرية من أنها منشغلة داخليًا في أمور قد يرى البعض أنها ليست من اختصاصها، قد تؤدي إلى انشغالها عن حماية حدود الدولة.

 

حماية حدود الدولة هنا هو بداية الفهم المغلوط للدور الرئيسي للقوات المسلحة في أي دولة، من اختزال دورها فقط فى أمن حدودها، والذي يُمثل قصر نظر البعض عن دورها الأوسع والأشمل وهو حماية الأمن القومي للدولة، الذي يتخطى بالطبع حدود الدولة نفسها انطلاقًا إلى أبعد نقطة تؤثر على الدولة في محيطها حسب قدرتها ومكانتها، إقليميًا ودوليًا، وبالتالي فإن هناك جزءًا من الأمن القومي للدولة يتمثل خارج أراضيها، ما قد يفرض عليها في بعض الأحيان أن تخرج بقواتها إلى دول ومناطق أخرى لكي تؤمن مصالحها من أطماع مجاورة أو تهديدات تؤثر عليها، وهناك المثال التركي في هذا المجال، حيث فرضت تركيا حزامًا أمنيًا داخل الأراضي السورية لكي تجعل لها عمقًا دفاعيًا ضد التهديدات التي ترى أنها تؤثر عليها، سواء من جماعات متطرفة داخل سوريا، أو عرقلة للأكراد السوريين من إقامة حكم ذاتي لهم داخل سوريا ما يشجع الأكراد بالداخل التركي بالمثل داخل مناطقهم في الجزء الجنوبى الشرقي من تركيا؛ لذلك سعى الجيش التركي إلى مساندة عناصر سورية يرى أنها تساعده في تأمين مصالحه القومية والدخول مباشرة للمساندة سواء بريًا أو جويًا؛ لذا فمجال عمل القوات المسلحة لأي دولة يمتد جزء منه إلى خارج حدودها الدولية.

 

أما الشق الآخر فيتعلق بتأمين قدرات الدولة من الداخل، ولأن من بديهيات الحرب منذ خلق الله الإنسان هي إنهاك أي جيش من خلال ما يطلق علية بـ”الطابور الخامس” أو إشعال جبهته الداخلية بحيث تؤثر على قدراته على الدفاع ضد عدوه الرئيسي، ونتيجة طبيعية لأي قوات مسلحة في العالم، فإن قدرتها الذاتية تعتبر من أقوى القدرات المؤسسية داخل الدولة؛ لذلك فقد تضطر في بعض الظروف، سواء أكانت ظروف مناخية كالكوارث الطبيعية  أو سياسية، بأن تقوم بسد ثغرة داخلية بشكل مؤقت بحيث لا تؤثر على قدرات عمل الدولة وانهيارها، مثل: انهيار الشرطة في 2011، واضطرار القوات المسلحة المصرية للنزول لتأمين الأهداف الحيوية والعامة ومرافق الدولة وممتلكات المواطنيين لحين عودة الشرطة لتأدية مهامها الأصلية.

وهناك جزء آخر مهم للغاية وغير مرئي في الأمن القومي المصري، وهو الصناعات والخدمات الاستراتيجية التي تمتلكها الدولة، وتؤثر بشكل مباشر على قدراتها بشكل عام وقدرات القوات المسلحة المصرية أثناء العمليات الحربية بشكل خاص، ومن أكثر تلك الصناعات تأثيرًا صناعات الحديد والأسمنت والبتروكيماويات والترسانات البحرية، فتلك الصناعات تمثل حائطًا صلبًا تستند إليه القوات المسلحة في تأمين احتياجاتها القتالية واللوجيستية في السلم والحرب، لذلك فعندما ظهر ضعف في بعض هذه المؤسسات فى فترة التسعينيات من القرن الماضي ودخول القطاع الخاص الأجنبي في هذه المجالات، وبالتالي توقع هروبه في حالة الحرب لكي يحافظ على أمواله واستثماراته، سعت القوات المسلحة إلى تأمين قدراتها التي ستتأثر بشكل كبير من هذا الضعف سلمًا وبالتالى حربًا؛ لذلك أصبحت تمتلك ما يؤمن لها احتياجاتها بشكل مستقل بحيث لا تصبح تحت رحم ضعف أو فساد يحد من قدراتها القتالية. أما من الناحية اللوجيستية والتي تتمثل فى المواد الغذائية والبترولية فقد سعت القوات المسلحة إلى إنشاء مصانع تؤمن لها احتياجات مقاتليها الغذائية سلمًا وحربًا، وتأمين المجال البتروكيميائي من مشتقات تؤثر على عملها أثناء العمليات من خلال أنواع الوقود المختلفة التي تحتاج إليه.

 

ولأن نسبة 21% فقط من الشعب المصري هم فوق الـ 30 عامًا، والـ79% تقريبًا ما دون ذلك، فإن الغالبية العظمى من المصريين لم يعرفوا أو يشعروا بما تعنيه أجواء الحروب التي تكتوي بها الدولة من داخلها بشكل فعلي منذ حرب أكتوبر 1973، وما يترتب على حالة الحرب من قيود معيشية غاية في الصعوبة تتخطى بمراحل كثيرة ما يحدث الآن، لذلك رأت القوات المسلحة فى الدخول لتلك المجالات لسد تلك الفجوة الاستراتيجية لحين عودة المؤسسات الوطنية لتؤدي مهامها، فتم إنشاء قطاعات داخل القوات المسلحة تؤدي تلك المهام بشكل مستقل لا يستدعي دخول الوحدات المقاتلة في هذا العمل؛ لذلك تم التوسع في جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة (وهو جهاز يقوم بإمداد القوات المسلحة بتلك المستلزمات) لكي يقوم بتلك المهام اللوجيستية بعيدًا  كل البعد عن الفرق والتشكيلات القتالية بالقوات المسلحة، إلى جانب ضخ الفائض من إنتاجية هذا الجهاز في وقت السلم للقطاع المدني؛ لرفع العبء قليلًا عن المواطنين وللحفاظ على الوضع الداخلى في حال خروج رأس المال الأجنبى تحت أي ظرف من السوق المصري.

 

 

الخلاصة:

 

إن عدم الفهم والوعي للدور الحقيقي والكامل للقوات المسلحة هو نقطة الضعف التي يسعى لها العدو للضغط عليها؛ لذلك فالرؤية الصحيحة للوضع الداخلي دون أن تتدخل في تلك الرؤية المصلحة الشخصية، هي الحصن الأول للدولة المصرية، فلذلك لكي نؤمن أنفسنا من خطر تلك الحرب النفسية التي تستغل قلة معرفتنا بأصل الأمور، وبصورة أوسع من دائرتنا الضيقة هي خط الدفاع الأول لتلك البلاد، وإلا سيصبح كل واحد منا جنديًا في جيش العدو يطعن تلك الدولة فى عمقها دون أن يدري، بل إنه يظن بفعله هذا يقوم بإصلاحها.

عن الكاتب