تقديرات: اللاجئين.. أزمة عالمية متصاعدة تبحث عن حل 2 – 2

Avatar
نورا بنداري

مازالت الاستجابة الدولية لأزمة اللاجئين يرثى لها ولم تقدم بعض بلدان العالم سوى القليل جداً؛ لحل هذه الأزمة التي تتفاقم يومًا بعد يوم، بل ويواجه أصحابها العديد من المشاكل التي تؤرقهم لعيش حياة تنعم بالأمن والاستقرار مثل باقي البشر، بعد أن تركوا بلادهم لأسباب عدة، جاء من أبرزها الحرب والثورات، إضافة إلي الفقر والمرض، وغيرها من الأسباب المتعددة، والتي تم توضيحها في الجزء الأول من هذه الورقة البحثية، ونظرًا لأهمية هذه الأزمة، سيتم استكمال ما سبق عرضه، من خلال التركيز على أبرز المشكلات التي تواجه اللاجئين، والدول الأكثر استقبالًا لهم، وختامًا تأثير هذه الأزمة على الدول المستقبلة بل ومدى استفادتهم من اللاجئين.

أولًا: أبرز المشاكل التي تواجه اللاجئين

 

يواجه اللاجئين من جميع الفئات والأعمار والجنسيات المختلفة؛ عدة مشاكل سواء عند تركهم لبلدانهم وأيضًا عند انتقالهم للبلدان المستقبلة لهم، وتنحصر هذه العقبات ما بين طريقة الانتقال إلي الدولة المراد التوجه إليها، وما يعقبها من مشاكل حول الملاذ الآمن أو ما يعرف بمراكز إيواء اللاجئين أو المخيمات في بعض البلدان، إضافة إلي عدة أزمات قد تكون صحية، اجتماعية، نفسية، وغيرها، وهذا ما سيتم تناوله علي هذا النحو:

 

1ـ المشكلة الخاصة بمكان إقامة اللاجئين “مخيمات اللاجئين”:

 

في كثير من الأحيان، ينتهي المطاف بأولئك الذين يفرون من بلدانهم بحثًا عن الأمان والاستقرار في “مخيمات اللاجئين”، وهي عبارة عن مستوطنات مؤقتة يتم إعدادها من خلال بعض المنظمات الدولية كالأمم المتحدة أو منظمة الصليب الأحمر وغيرهما؛ لاستقبال هؤلاء الفارين من ديارهم، ومن الممكن أن تضم هذه المخيمات آلاف اللاجئين من مختلف الأعمار والفئات، غير أن أولئك الذين فروا إلى مخيمات اللاجئين كثيرًا ما يتعرضون لظروف معيشية قاسية بل ويواجهون صعوبات كثيرة أيضًا، لأنه في أحيان كثيرة، تتكون هذه المخيمات من لاجئين يعيشون في خيام ذات موارد محدودة، بمعني أن الأغذية والمياه لا يمكن الحصول عليها بطريقة دائمة، بل والأصعب أن أولئك الذين يعيشون في هذه المخيمات لا يستطيعون عادة مغادرة أو العثور على عمل خارج هذه المخيمات، على الرغم من أن هذه المخيمات من المفترض أن تكون مؤقتة، إلا أنه يمكن للبعض البقاء بها لأعوام كثيرة بسبب الأوضاع غير المستقرة في وطنه.

ليس هذا فقط؛ بل أن اليونسيف قد أعلنت أن الفتيات والفتيان القاصرين الذين قدموا إلى ألمانيا بصحبة آبائهم لا تتم رعايتهم من قبل مكتب رعاية الشباب بل تطبق عليهم تشريعات اللجوء القاسية، وهذا ما يؤدي بدوره إلى بقاء الكثير من هؤلاء الأطفال في مراكز إيواء اللاجئين لفترات طويلة ويؤدي إلى تأخر إلتحاقهم بالمدارس، إضافة إلى أن مراكز الإيواء ليست مكانًا ملائمًا لهؤلاء الأطفال، إذ يمضون شهورًا طويلة وأحيانا سنوات في أماكن غير آمنة وضيقة لا يوجد فيها مكان للخصوصية ومرافقها الصحية غير نظيفة، وعلاوة على ذلك لا يسمح لهم بالذهاب إلى المدراس.

وفي هذا الاطار؛ يجب الاستشهاد بالوقائع الدالة علي ذلك؛ ولهذا قد أفاد شهود عيان من منظمة العفو الدولية خلال زيارتهم في نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2013، لمخيم للاجئين في هارمانلي، وهو قاعدة عسكرية سابقة تقع في بلغاريا، والذي يعد واحد من الأماكن الذي يعيش فيه اللاجئون في ظروف صعبة، بأن هناك مجموعات كبيرة في الخيام والحاويات المعدنية دون مأوى مناسب لحمايتهم من الشتاء البارد، بالإضافة إلى أن هذا المخيم، الذي يضم نحو 1000 شخص، يحتوي على ثمانية حمامات فقط وثلاثة مراحيض، والتي تجنبها الكثيرون بسبب مخاوف القذارة، والأمراض.

2ـ حواجز ثقافية ولغوية

 

إذا لم يستقر اللاجئون في المخيمات، فغالبًا ما يحاولون الفرار إلى بلدان أخرى لمحاولة الحصول على حق اللجوء، إلا أنهم يواجهون عقبات أخري كالتكيف مع الحياة في بلد مختلف والذي يعد من الأشياء الصعبة، بل والعديد من المصاعب الغير متوقعة التي قد تقف حاجز أمامهم، وكثيرًا ما تكون هناك حواجز ثقافية ولغوية، فضلًا عن الشعور بالاغتراب الذي يحدث لهم عند انتقالهم لبلدان أخري.

ولهذا فإن الحواجز اللغوية تسبب صعوبات كبيرة، حيث أنها تجعل التفاعلات البسيطة تبدو وكأنها مآثر شاقة، بمعني أن طلب العمالة والنقل والمسؤوليات القانونية وتلقي المساعدة في كل من هذه المجالات يعد أكثر صعوبة من دون فهم قوي للغة الدولة التي توجهوا إليها، ولهذا فإن بعض البلدان المستقبلة للاجئين قد حاولت حل هذه المشكلة من خلال إعطاء دورات تدريبية لتعليم اللاجئين اللغة الأساسية لهذه البلدان وذلك فور وصول هؤلاء اللاجئين، وعلي سبيل المثال قد أظهرت دراسة ألمانية شملت (660 إمرأة من سوريا وأفغانستان والعراق وإريتريا والصومال، تتراوح أعمارهن بين 17 و29 عاما، سبعة بالمئة فقط تجاوزن الخمسين عاما)، أن زيارة الطبيب كانت غالبًا ما تفشل بسبب اللغة، بل وأن بعض اللواتي طلبن المساعدة لم يتم استقبالهن من قبل الطبيب، إضافة إلي أنه تم تشخيص مرضهن بشكل خاطئ بسبب أخطاء في الترجمة.

وبالإضافة إلي حاجز اللغة، فإن هناك حاجز أصعب ألا وهو الثقافة، حيث أن التكيف مع ثقافة مختلفة ونمط حياة غير الذي تعودوا عليه، يجعلهم يواجهون الكثير من الصعوبات، كما أن الاختلافات الجوهرية بين القواعد والقيم الثقافية يمكن أن تسبب مشاكل أعمق، فبسبب الاختلافات الثقافية – تختلف المعتقدات والغرائز العميقة والمختلفة حول طريقة التفاعلات الطبيعية والاجتماعية – من الارتباك وسوء الفهم والتفسير، فعلى سبيل المثال، قد لا يتخذ اللاجئون والمهاجرون احتياطات السلامة اللازمة لأنهم لم يواجهوا نفس أنواع الجرائم والسطو في أوطانهم، وبالتالي قد يستهدفهم المجرمون عندما يستقرون في المناطق الحضرية.

3ـ مشاكل التنقل والعمل بصورة غير قانونية

يتعرض اللاجئين لمخاطر أثناء محاولة اللجوء كالسفر في قوارب المهربين، مما قد يعرض حياتهم للخطر، وذلك بسبب وجود تحديًا يتمثل في محاولة الحصول على الحماية الدولية، نتيجة قيام بعض الدول بفرض الكثير من القيود علي دخول اللاجئين إلي أرضيها، مما يجعل هؤلاء المهاجرين ينتقلون بطرق غير قانونية، وهذا يترتب عليه عواقب وخيمة، كما قررت عدد من دول الاتحاد الأوروبي فرض رقابة علي الحدود لمواجهة تدفق الأعداد الكبيرة من المهاجرين، وعلقت العمل باتفاقية “شنغن” التي تسمح بحرية التنقل في أوروبا وذلك في ديسمبر 2015، وقد كان من هذه الدول: ألمانيا، النمسا، وأيضًا سلوفاكيا.

ولم يقتصر الأمر علي الحدود بل أن هناك دولا منع فيها اللاجئ من الانتقال من مكان إلى آخر دون موافقة مسبقة من السلطات المختصة، فعلى سبيل المثال؛ في أكتوبر عام 2017، أصدرت وزارة الداخلية في ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية قرارًا يفرض قيودًا على انتقال اللاجئين المعترف بهم داخل الولاية، بحيث أصبح من المحظور عليهم الانتقال إلى مدينة سالزغيتر، وبررت الوزارة هذا القرار بأنه أتى بشكل استثنائي، وذلك بعد تضرر المدينة من “الهجرة العالية للاجئين إليها، معللة بأن هذا من أجل توفير أفضل الإمكانيات للاجئين، وهو ما لا تستطيع المدينة تقديمه ضمن هذه الأعداد الكبيرة الاستثنائية من اللاجئين الراغبين بالانتقال إلى المدينة”، وهذه الخطوة تلتها بيانات من مدينة فيلهلمز هافن و مدينة دلمونهورست في ذات الولاية أعربتا فيها عن رغبتهما في تطبيق ذات القرار الذي طبق في مدينة سالزغيتر، وفرض تقييدات مماثلة على انتقال اللاجئين إليهما.

وعلي الرغم أن اللاجئين يتنقلون لأنهم يريدون إيجاد فرص أفضل للاندماج في المجتمع الألماني، وإيجاد مساعدة لهم من أجل الحصول على عمل، وهذا يجعلنا ننتقل إلى نقطه أخرى قد يلجأ إليها المهاجرين، ألا وهي العمل بصورة غير قانونية، لكسب المزيد من المال، ولكن ذلك قد يترتب عليه عواقب، إذا تم إلقاء القبض عليهم، فعلى سبيل المثال؛ يعرف العمل غير القانوني في ألمانيا (بالعمل الأسود) أي القيام بأي عمل دون الحصول على تصريح قاوني بذلك، كما أن جميع الذين يعملون بشكل غير قانوني لا يدفعون الضرائب والضمانات الاجتماعية، لهذا إذا تم اكتشاف شخص (لاجئ) يعمل بشكل غير قانوني ولا يحمل الجنسية الألمانية أو جنسية أحد بلدان الاتحاد الأوروبي يتم التحقيق أولًا في وضعه القانوني، وبالتالي يمكن أن تفرض عليه غرامة مالية، ووضعه تحت الرقابة، بل والأخطر هو أنه من الممكن أن يتم ترحيله.

4ـ مشاكل صحية ونفسية

نظرًا لفرار اللاجئين من بلدنهم رغمًا عنهما، فإن فرصة تعرضهم لأمراض نفسية كبيرة جدًا، وتترك في أنفسهم خللا تجاه حياتهم الجديدة التي يتم الإعداد لها من الصفر، ولهذا قد أشارت منظمة الصحة العالمية، أن نحو 20% من الذين عاشوا أزمة إنسانية يعانون اضطرابات نفسية، مما يعني أن نحو مائة ألف لاجئ سوري في لبنان وحده معرضون لآلم نفسية شديدة، ولهذا قد قام شاب سوري باختراع تطبيق يمكن من خلاله الاستماع لمشاكل اللاجئين النفسية، إضافة إلي أن هناك أكثر من 50% من اللاجئين السوريين داخل تركيا، بحاجة إلى خدمات دعم نفسية ومعنوية، لذلك تمّ العمل على زيادة مراكز التأهيل النفسي داخل المستشفيات ومخيمات السوريين.

بالإضافة إلي المشاكل النفسية، فإن المهاجرين واللاجئين يواجهون أيضًا مشاكل صحية، جاءت بشكل إجمالا وفقًا لمنظمة الصحة العالمية؛ فإن من المشاكل الصحية الأكثر شيوعاً بين المهاجرين الوافدين، هي (الإصابات العرضية، انخفاض حرارة الجسم، الحروق، اعتلالات القلب والأوعية الدموية، مشاكل الحمل والمضاعفات المرتبطة بالولادة، مرض السكري، ارتفاع ضغط الدم)، أما المهاجرات فكثيرًا ما تواجههن تحديات محددة، خاصة في ما يتعلق بصحة الأم والطفل والصحة الجنسية والإنجابية، والتعرض للعنف، وبالنسبة للأطفال أشارت المنظمة إلي أن الأطفال الضعفاء يتعرضون لخطر الإصابة بالتهابات حادة، من قبيل التهابات الجهاز التنفسي بسبب الظروف المعيشية السيئة والحرمان أثناء الهجرة، ولهذا يجب أن تتوفر لهم خدمات الرعاية عند الإصابة بالتهابات حادة، ويمكن أن يسفر انعدام شروط النظافة عن الإصابة بالتهابات جلدية.

والأخطر من ذلك؛ يكمن في صعوبة حصول العديد من اللاجئين علي العلاج المناسب، فعلى سبيل المثال، قد ناضلت أسرة سورية توجهت إلى مخيم للاجئين في “إقليم كردستان العراق” كي توفر العلاج لابنها، إلياس، البالغ من العمر 12 سنة، والذي تبين أنه مصاب بالسرطان في 2012، حيث أوضح والد إلياس: أن “الحياة صعبة جداً في المخيم لأنهم يحتاجون الأطباء والدواء من أجل إلياس، ولهذا عانوا للحصول على علاج له”، لذلك فهو يأمل في أن يعاد توطينهم في أوروبا حيث يمكن الحصول على العلاج المناسب لابنه.

5ـ مشكلة التعليم

 

من أبرز المشاكل التي يواجهه اللاجئين وخاصة الأطفال هي التعليم، ووفقًا لإحصاءات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإن حوالي 3.5 مليون طفل لاجئ في سن الدراسة لم يدخلوا المدرسة إطلاقًا في عام 2016، كما أنه من المرجح أن الأطفال اللاجئين في جميع أنحاء العالم عرضة للحرمان من التعليم أكثر بخمس مرات من الأطفال غير اللاجئين، ومع حرمان عدد كبير من الأطفال في سن التعليم الابتدائي، فإن عددًا أقل يتلقون التعليم الثانوي، إذ يلتحق حوالي 84% من اليافعين في العالم بالمدرسة الثانوية، مقابل 23% من اللاجئين، بينما يحصل 1% فقط من اللاجئين على التعليم العالي والجامعي.

وعلي سبيل المثال؛ تعد مشكلة التعليم من ضمن المشاكل التى يواجهها السوريون داخل تركيا، حيث أنه يجب أن يمتلك السوريين هوية لاجئ من أجل تلّقي خدمات أفضل للتعليم، وعليه يتم منح تلك الهوية للاجئين القادمين من الحدود مع جوازٍ للسفر مؤقت، لأنه بدون هذه الهوية لا يمكن للسورين التسجيل في المدارس التركية، إضافة إلي أن العديد من المدارس داخل إسطنبول تقوم بقبول الطلاب السوريين تحت مسمى “طالب شرف”، وذلك الوضع ليس بالسهل وخاصة من أجل الطلاب الذين لم يتلّقوا تعليمًا لفترة طويلة، ولهذا فهو لن يستمر طويلاً بسبب كثرة أعداد هؤلاء الطلاب وعدم وجود أماكن كافية لهم داخل المدارس التركية، هذا بجانب عائق اللغة الذي يمنع الطلاب من التعلم.

6ـ مشكلة القيد والتوثيق

بالإضافة إلى ما سبق؛ فهناك مشكلة قد تواجه بعض اللاجئين وهي ما تعرف باسم “مشكلة القيد والتوثيق”، حيث أن اللاجئ الذي يريد الحصول على كافة الحقوق في البلد المستضيف له، يجب عليه أن يقيّد رسميا بهذه الدولة، ويظهر ذلك بوضوح بالنسبة للاجئين السوريين في تركيا، لأنه لا يمكن لأي لاجئ سوري أن يستمتع بأي حقٍ من الحقوق التي تقدّمها الدولة للاجئين، دون أن يتم قيّده رسمياً بالدولة، حيث أنه إذا لم يحدث ذلك، فهو يعتبر غير موجودٍ بالدولة ولن يتوفّر له أيّ حقٍ من تلك الحقوق، وعليه تم إنشاء نحو 23 مركز تسجيلٍ متنقل داخل المناطق المختلفة وخاصة بجنوب شرق تركيا، وأصبح للاجئين السوريين الحق في الاستفادة من الخدمات الطبية بالمستشفيات التركية كما يشاؤون.

وبعد أن تم عرض أبرز المشاكل التي تواجه أغلب اللاجئين حول العالم، يجب الأخذ في الاعتبار أنه قد يكون هناك مشاكل أخرى لن يتم تناولها، وذلك لاختلاف أسس وقواعد العديد من الدول المستقبلة للمهاجرين واللاجئين، بمعني أنه قد نجد مشكلة موجودة بشكل واضح في بعض الدول الأوروبية، لا نجدها تمثل أي عائق في بعض دول منطقة الشرق الأوسط المستقبلة للاجئين، وهذا يجعلنا ننتقل للمحور الثاني في هذه الورقة البحثة، المتمثل في محاولة الإجابة علي هذا التساؤل وهو أي الدول الأكثر استقبالًا للاجئين؟.

ثانياـ استقبال أوروبي وتنافر عربي 

من الملاحظ أن أوروبا تعد خيارا متزايدا بالنسبة لبعض اللاجئين، وذلك يرجع لعدد من الأسباب ومنها؛ عدم تمتعهم بوضع قانوني آمن في البلدان التي يعيشون فيها وبلدان الشرق الأوسط المجاورة، إضافة إلى أن النقص الكبير في صندوق الأمم المتحدة أدى إلى تخفيضات في عدد العائدات المقدمة لأسر اللاجئين كل شهر، مما جعل الشرق الأوسط مكانًا لا يمكن الدفاع عنه بشكل متزايد بالنسبة لهم للبقاء، لذلك نجد بعض اللاجئين يتخذون من دول المنطقة “ترانزيت” للانتقال إلي أوروبا، بحثا عن الحياة الأمنة والمستقرة.

ووفقًا لإحصائيات المفوضية العليا لشؤون المهاجرين التابعة للأمم المتحدة في عام 2015 استقبلت أوروبا أكثر من مليون لاجئ من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي أوروبا تعتبر ألمانيا الدولة الأولى في استقبال اللاجئين، فحسب إحصائيات الدائرة الاتحادية للهجرة واللاجئين، تم تقديم 476 ألف و649 طلب لجوء عام 2015 و في عام 2016 ارتفع العدد إلى 722,370 طلب لجوء، ومعظم اللاجئين الذين دخلوا ألمانيا خلال العامين الماضيين كانوا من سوريا وفي المرتبة الثانية من أفغانستان ومن ثم العراق، أما فرنسا فتعتبر الثانية بعد ألمانيا باستقبالها 85,244 ألف لاجئ عام 2016 حسب أرقام وزارة الداخلية الفرنسية.

ونظرًا لتزايد توافد اللاجئين إلى أوروبا؛ قد أقر الاتحاد الاوروبي في عام 2015 برنامجًا لاعادة توزيع اللاجئين بين الدول الأوروبية، ومسبقًا فإن هذه الدول من خلال الاتحاد وضعت نظامًا قانونيًا لتنسيق التعامل بشكل موحد في قضايا اللجوء، بل وتحديد الدولة العضو المسؤولة عن دراسة الطلبات الخاصة باللاجئين، واتخاذ الاجرءات المنظمة للبت في هذه الطلبات، ولذلك تم إنشاء ما يعرف باسم “نظام دبلن” الخاص باللاجئين بموجب “اتفاقية دبلن” التي تم إقرارها في يونيو 1990، وهي التي تعني تنظيم حركة المرور و اللجوء بين دول أوروبا الأعضاء في الإتفاقية تحت قانون تحكمه عدة بنود، وقد وقع عليها في البداية 12 دولة عضوا في الاتحاد، ودخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 1997، وقد دخلتها لاحقا وعلى فترات مجموعة من الدول غير الأعضاء في الاتحاد، ولحل المشاكل الخاصة باللاجئين، تعمل هذه الدول بشكل متواصل علي إدخال تعديلات علي هذه الاتفاقية.

ومع ذلك؛ فإن استقبال الدول الأوروبية للاجئين، لا يمنعنا من الإشارة إلي أن هناك خمس دول رئيسية في منطقة الشرق الأوسط، هي تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، تستضيف عددا كبيرا من اللاجئين، قد يفوق عدد استقبال الدول الأوروبية لهم، ولأن سوريا تعتبر أكبر مصدر للاجئين والنازحين داخلياً في العالم، سنستشهد بها لتوضيح ذلك الأمر، ولهذا فإن احصائيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لعامي 2015- 2016، أوضحت أن هذه الدول تستضيف حوالي 95% من اللاجئين من سوريا، وتعتبر تركيا المجاورة لسوريا، أكبر بلد تستقبل اللاجئين بإيوائها 1.8 مليون لاجئ، أما لبنان المجاورة هي الأخري لسوريا، فتأوي أكثر من مليون لاجئ سوري والأردن أيضًا استقبلت أكثر من 600 ألف لاجئ سوري، كما أحصت المفوضية 249726 لاجئا سوريا في العراق و132375 لاجئا سوريا في مصر و24055 لاجئا في شمال إفريقيا، وهذه الأعداد في تزايد بشكل متواصل.

من خلال ما سبق؛ نلاحظ أن تركيا من أكثر دول المنطقة استقبالًا للاجئين، يليها لبنان، بينما تعد ألمانيا من أكثر الدول الأوروبية استضافة لهم، ولهذا قد تم توقيع اتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا ساهم بشكل كبير في تدني عدد اللاجئين والمهاجرين الوافدين إلى أوروبا، حيث أن أكثر من مليون مهاجر ولاجئ دخلوا دول الاتحاد الأوروبي خلال العام 2015، فيما تراجع هذا الرقم إلى ما دون الـ 300 ألف في عام 2016. وعلي الرغم من التسهيلات التي تقدمها الدول الأوروبية لاستقبال اللاجئين لأسباب سنعرفهم في النقطه الثالثة من هذه الورقة البحثية، نجد العديد من الدول العربية قد أدارت ظهرها لملف اللاجئين.

 

ثالثاـ مدي الاستفادة التي يقدمها اللاجئين للدول المستقبلة لهم

في الفترة الأخيرة قد شهدت القارة العجوز (أوروبا) تدفقًا للاجئين يعد الأكثر كثافة منذ الحرب العالمية الثانية، مما جعلنا نتساءل، هل استقبال أوروبا للاجئين هو جانب إنساني أم له بعد نفعي؟، وإجابة هذا السؤال تكمن في أن الجانب الإنساني بالتأكيد ليس دافعا قويا لاستقبال أوروبا لهذا العدد الهائل من اللاجئين، بل أن هناك دافعا آخر يكمن في المصلحة، ولذلك فإن السؤال الأساسي، هو مدى قدرة أوروبا على الاستفادة من عدمه من الوافدين الذين يقدر عددهم بمئات الآلاف؟، وإجابة هذا السؤال تأتي على هذا النحو:

1ـ الناحية السكانية الديمغرافية

تعد أوروبا قارة عجوز من الناحية البشرية ونسب الإنجاب فيها قليلة للغاية بالمقارنة بمناطق الشرق الأوسط والوطن العربي وأفريقيا (المصدر الرئيس لتصدير المهاجرين)، لذلك تبحث معظم الدول الأوروبية عن حلول لزيادة نسبة الشباب بها، بعدما أصبحت نسبة الشيخوخه فيها مصدر قلق بالنسبة لحكوماتها، حيث تعاني الدول الصناعية المتقدمة من إنخفاض نسبة الأطفال وارتفاع نسبة الشيوخ، مما جعلها تعرف بالهرمة أو بالقارة العجوز، ومن هذه الدول (ألمانيا، بريطانيا، السويد، رومانيا، وغيرها)، ولهذا فهذه الدول من أكثر الدول استقبالًا لطالبي اللجوء، كما أكدت عدد من الدراسات العلمية أن أوروبا تشهد عملية انقراض سكاني كبير بسبب ثقافة وسياسات تحديد النسل والإنجاب، حيث إن هناك بلدانا في أوروبا يتوقع أن تندثر من الخارطة خلال 150 إلى 200 عام إذا تم الاستغناء عن سياسات استيراد المهاجرين، مثل أيسلندا وبلجيكا وبولندا والنمسا وألمانيا،ولهذا تعمل هذه الدول على الاستفادة من هذا الكم الهائل من اللاجئين والمهاجرين.

 

2ـ الناحية الاقتصادية

 

يمثل الاقتصاد قاعدة أساسية بالنسبة للدول الصناعية الكبري في أوروبا، وهذه القاعدة عمودها الفقري هو الشباب، ولأن أوروبا تفتقر بشكل كبير لفئة الطبقة العاملة؛ تستقطب عنصر الشباب وتدعمهم، ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية 19 سبتمبر/ أيلول عام 2016، جاء فيه أن اللاجئين ساهموا بشكل إيجابي في تنمية اقتصادات الدول التي هاجروا إليها، كما أشار الأمين العام للمنظمة “أنخل غوريا” أن المهاجرين ساهموا خلال الأعوام العشرة الأخيرة في نمو سوق العمل داخل الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 47% وفي أوروبا بنسبة 70%، موضحًا أنه لابد من توفير الامكانات اللازمة لدى المهاجرين وتوظيفها للتغلب على الأزمات، وذلك لأن المهاجرين يشكلون أملا لا تهديدًا.

وعلى سبيل المثال؛ قد أدركت الحكومة الألمانية أن انخفاض القوة العاملة في السوق له آثار سلبية على ازدهار الاقتصاد والنمو، لذلك فإنها تقوم بسد فجوة العجز العمالي لديها من المهاجرين وطالبي اللجوء حيث تستقبل مئة ألف لاجئ سنويًا.

3ـ الناحية العسكرية

طبقًا لما أوضحه عدد من المحللين، بأن نسبة كبيرة من المهاجرين الحاليين سيعملون بعد تأهيلهم وإعادة ترتيبهم اجتماعيا وفكريا بمؤسسات الجيش والأمن والدفاع العسكري ولكن ذلك في المراكز غير الحساسة أي دمجهم كـ”جنود عاديين”، وتعد هذه القضية محبذة جدًا بالنسبة لبعض اللاجئين والمهاجرين، لأن من خلالها يمكن الحصول بطريقة أسرع على الجنسية، بل أنه على سبيل المثال؛ هناك بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث أن يكن جنودها العاديين من غير المواطنين الأصليين، وذلك لعدم الإخلال بتركيبة المجتمع الأساسية.

من خلال ما تقدم؛ يمكن القول أن الدول الأوروبية عامة وألمانيا خاصة، نجحت في احتواء الصدمة المتمثلة في الكم الهائل من اللاجئين والمهاجرين، حيث أنها تعاملت بمرونة كاملة على الرغم من كثافة الأعداد التي استقبلتها، لذلك تعمل هذه الدول علي وضع إجراءات للتعامل مع أعداد اللاجئين الكبيرة، لإدماجهم في المجتمع وسوق العمل ويرجع ذلك لكون هذه الدول تعتمد علي الإنتاج أكثر، يأتي ذلك في الوقت الذي فشلت بعض بلدان المنطقة في التعامل مع أعداد اللاجئين، فعلي سبيل المثال؛ فإن دولًا مثل لبنان أو الأردن لا تستقبل مهاجرين سنويًا، لأنها غير قادرة علي التكيف مع الضغوط الناجمة عن هذا التدفق، ولم تعتد على التعامل مع أعداد كبيرة من المهاجرين أو اللاجئين لتوفير كل متطلبات الحياة لهم، وذلك لأنهما من البلدان غير المنتجة التي تعتمد على الاستيراد بشكل كبير وتعاني بالأساس من ارتفاع في معدلات البطالة والفقر، لهذا كانت صدمة اللاجئين على لبنان والأردن واقتصاديهما كبيرة ولا زالت، واستدعت طلب مليارات الدولارات للقيام بمتطلبات ومستلزمات استضافة اللاجئين.

خاتمة

وأخيرًا؛ يجب التأكيد على كلمة لرئيس قسم حقوق اللاجئين والمهاجرين في منظمة العفو الدولية، “شريف السيد علي” والتي أكد فيها على أنه “لا يمكن أن يواصل قادة العالم إدارة ظهورهم للاجئين المستضعفين، فمن السهل أن يشعر المرء بالعجز عندما يواجه أزمة بهذا الحجم، ولكن يمكن أن يكون لحث قادة العالم على إعادة توطين اللاجئين تأثير يغير الحياة”، وذلك لأنه فضلاً عن تمكين اللاجئين من إعادة بناء حياتهم في سلام واستقرار، وتوافر فرص الوصول إلى الرعاية والدعم اللذين يحتاجون إليهما، يساهم التوطين في تقاسم مسؤولية أزمة اللاجئين.

المصادر:

  • مضامين اتفاقية دبلن للاجئين، الجزيرة، 27 أغسطس 2015، الرابط.
  • يونيسف: مشاكل عويصة تواجه النساء والأطفال اللاجئين في ألمانيا، دوتيشه فيله، 26 مارس 2017، الرابط.
  • قصص لم تُحكى عن اللاجئين المستضعفين في سوريا، منظمة العفو الدولية، 4 فبراير 2015، الرابط .
  • وسام حسن، تطبيق يستمع معاناة اللاجئين السوريين ويحل مشاكلهم النفسية، قناة الغد، 14إبريل 2017،

الرابط.

  • ما المشاكل الصحية الشائعة بين اللاجئين والمهاجرين؟، الجزيرة، 10 أغسطس 2016، الرابط .
  • عارف جابو، عواقب العمل بشكل غير قانوني في ألمانيا، مهاجر نيوز، 5 فبراير 2018، الرابط .
  • علاء جمعة، مدينة ألمانية تمنع انتقال اللاجئين إليها، مهاجر نيوز، 19 أكتوبر 2017، الرابط .
  • تأثيرات السوريين على تركيا: اجتماعياً واقتصادياً وامنياً وسياسياً، تركيا بوست، 2 مايو 2015، الرابط .
  • اتفاقية “شنغن”.. تعليق حرية التنقل في أوروبا في انتظار قرار حول اللاجئين، فرنسا 24، 14 سبتمبر 2015، الرابط.
  • حرمان اللاجئين من التعليم مشكلة عالمية والأمم المتحدة تحذر من العواقب، مهاجر نيوز، 12 ديسمبر 2017، الرابط .
  • 100 ألف لاجئ وصلوا إلى أوروبا منذ بداية 2017، ديلي صباح، الرابط .
  • الدول الأكثر استقبالا للاجئين في أوروبا والشرق الأوسط، مهاجر نيوز، 10 إبريل 2017، الرابط .
  • معلومات عن أعداد اللاجئين وأصولهم في ألمانيا، دوتيشه فيله، 9 ديسمبر 2015، الرابط .
  • علي أغوان، عشرة أسباب وراء استقبال أوروبا للاجئين، ساسة بوست، 21سبتمبر 2015، الرابط .
  • مناف قومان، كيف استفادت ألمانيا من اللاجئين عندما ضجرت منهم دول أخرى؟، نون بوست، 20 سبتمبر 2016، الرابط .
  • مناف محمود قومان، استقبال ألمانيا للاجئين.. دافع إنساني أم مصلحة قومية?، الجزيرة، الرابط .

    • Joyce Chu, Refugees and the Difficulties They Face, guardian liberty voice, 10 July 2014, link .
    • Lauren Schwaar, Difficulties Faced by Immigrants and Refugees, light and life magazine, 13 February 2015,link .
عن الكاتب