تقديرات: القدس المحتلة.. كيف يصحح العرب تاريخهم

Avatar
السيد مجاهد

مقدمة

بعد أن عقد النية وأعلن عنها صراحة على مرأى ومسمع من العالم أجمع، قرر الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل، الأمر الذي يمثل جريمة بكل المقاييس ووصمة عار على جبين كل العرب، حيث أن هذا القرار بمثابة المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية والعروبة جمعاء، فليست فلسطين وحدها هي الضحية التي سوف نبكي عليها، وإنما سيمر العرب جميعا واحدًا تلو الآخر على قبرها ويرددون العبارة الشهيرة “وأتاكم ما توعدون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون”، فلا وجود لبنيان عربي متكامل بدون فلسطين عاصمتها القدس الشريف.

مسيرة مئة عام.. الانتهاكات الصهيونية، المعاناة الفلسطينية، والإخفاقات الدولية.

لم نصل إلى تلك المرحلة بين عشية وضحاها، فالقضية لها أبعاد تاريخية تحمل بين طياتها مراحل الصراع بين أصحاب الأرض أبنائها، وبين المغتصبين المحتلين لها، ففي أواخر القرن التاسع عشر بدأ اليهود بالترويج لأحقيتهم المزعومة في وطن دائم لهم بالأراضي المقدسة، ومالبث بلفور أن أعطى لهم وعدًا بتحقيق أمانيهم وطموحاتهم وقد كان هذا وعد من لا يملك لمن لا يستحق، وبعد تهيئة الظروف الدولية بعد الحرب العالمية الثانية أقدم يهود العالم لتحقيق مرادهم وهزموا الجيوش العربية على أرضها وبين شعوبها في معركة هزلية أصبحت بعدها فلسطين محتلة، وما بين النصر والهزيمة خاضت عصابات الصهاينة حروبا عديدة مع الدول العربية لتضم من خلالها مزيد من الأراضي.

وعلى الرغم من فشل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية في إيجاد حل شامل للقضية الفلسطينية، إلا أن قرارات الأمم المتحدة قد أقرت في مواقف عدة بحقوق فلسطين، فقد نص قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947م “قرار التقسيم” علي أن تقع مدينتا القدس وبيت لحم في منطقة خاصة تحت الوصاية الدولية، وقد جاء القرار رقم 303 لعام 1949م ليؤكد القرار السابق باعتبار مدينة القدس كيان منفصل تحت حكم دولي خاص تقوم على إدارته الأمم المتحدة، رافضًا بذلك الاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل، وبعد عدوان 1967م أصدر مجلس الأمن قرارا برقم 242 بضرورة انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها، أي عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل عام 1967م، وأخيرًا جاء قرار الأمم المتحدة رقم 2334 لعام 2016م الذي حث على وضع نهاية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ونص القرار على مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وعدم شرعية إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأرض المحتلة منذ عام 1967.

بالإضافة إلى قرارات الأمم المتحدة التي قننت حقوق فلسطين بشرعيتها الدولية، أدان مجلس الأمن في قراراته الصادرة إنتهاكات العدو الصهيوني في فلسطين، حيث أدان القرار رقم 271 لعام 1969م الضرر البالغ الذي ألحقه الحريق بالمسجد الأقصى في القدس يوم 21 أغسطس 1969م تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، مؤكدًا على مبدأ عدم قبول الاستيلاء على الأراضي بالغزو العسكري، رافضًا أي تدمير أو تدنيس للأماكن المقدسة أو المباني أو المواقع الدينية في القدس، كما أدان قرار مجلس الأمن رقم 465 لعام 1980م جميع التدابير التي اتخذتها إسرائيل لتغيير المعالم المادية والتركيب السكاني والهيكل المؤسسي في الأراضي الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس، أو أي جزء منها، واعتبر أن ليس لها أي مستند قانوني.

وفي الحقيقة، فإن للقصة فصول عدة تكشف لنا هدف عدونا وخطته لتدميرنا بأساليب شتى وعلى رأسها “خدعة السلام”، فحقيقة الأمر أن اليهود لا يريدون سلامًا ولا يسعون إليه وإنما يتخذونه حجة لاستدراجنا نحو هلاكنا، وها هو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد صرح بأن اسرائيل قد طلبت منه بعد النكسة أن تدخل مصر في سلام مع إسرائيل، في المقابل سوف تنسحب من سيناء بالكامل، إلا أن عبد الناصر قد أوضح بأن تلك الخطوة تتبعها تنازلات مصرية وهو ما يعني التخلي عن قضايا الأمة العربية، مؤكدًا أن العملية ليست مرتبطة بسيناء وحدها ولكن بكل العرب، فلا يمكن فصل مصير سيناء عن مصير العرب.

لماذا إذن نتجاهل حقائق التاريخ، فبعد مئة عام من الوعد الأول – شهدت خلالها كل أرض عربية مزيدًا من الفوضي والدمار – يحتفل الكيان الصهيوني بالوعد الثاني رغم أنف كل العرب في مشهد محير لا يعبر إلا عن الوهن الذي يبدو جليًا على وجه كل عربي، فلم يكن وعد بلفور الوعد الأول ولن يكون وعد ترمب الوعد الأخير، فالصراع العربي الإسرائيلي ممتد إلى حيث نهاية التاريخ، وليس هناك وجود لما يسمي بـ”مسيرة السلام”، فلا سلام مع أعداء السلام، فنيران اليهود لا تفرق بين عدو وصديق، ويبقي الوطن العربي بأكمله هو الهدف الأول والأخير لتلك النيران، فهل لنا أن نعود لوحدتنا وأن نحدد هدفنا نصرة لقضيتنا؟.

تصحيح المسار.. القدس فرصة ذهبية لتجميع القوة العربية  

من أجل تحقيق ذلك الهدف، وبالتزامن مع الاعتراف الأمريكي بالقدس الشرقية عاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارتها إليها، نتقدم بطرح يشمل مجموعة من المقترحات الهامة التي يمكن أن تساهم في حل القضية الفلسطينية العربية في إطار التعاون العربي المشترك تحت مظلة جامعة الدول العربية، كالآتي:

أولًا: دعوة الأمين العام لجامعة الدول العربية “أحمد أبو الغيط” رؤساء وقادة الدول العربية لعقد قمة طارئة في القاهرة لبحث القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتراف ترمب بها كعاصمة لإسرائيل.

ثانيًا: يتم إدراج بعض المقترحات العملية في جدول أعمال القمة التي تمكن الدول العربية من التصدي للانتهاكات الأمريكية والصهيونية لفلسطين والدول العربية.

ثالثًا: يقترح أن تشمل أجندة الجامعة العديد من القرارات والإجراءات، كالتالي:

  1. إطلاق جامعة الدول العربية لمحور دولي يدعم القضية الفلسطينية على أن تتبنى تلك الكتلة مشروع قرار يطالب الأمم المتحدة بأحقية الدول الموقعة عليه في إنشاء عاصمة لهم في القدس عاصمة دولة فلسطين.
  2. تدويل القضية الفلسطينية والمطالبة بالتحكيم الدولي في تبعية القدس كعاصمة مزعومة لدولة الاحتلال.
  3. إجماع الدول العربية على رفض قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل، وذلك لأن هذا القرار يمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي.
  4. إعلان جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بكامل أعضائها الاعتراف بالسلطة الفلسطينية بصفة جمهورية فلسطين العربية وعاصمتها القدس الشريف.
  5. إعلان رئاسة جمهورية فلسطين دستورًا موحدًا للبلاد ينص على كامل سيادتها ويحدد عاصمتها، وبمجرد الاعتراف بجمهورية فلسطين دوليًا يستمد الدستور شرعيته من شرعية اعتراف العالم بجمهوريته.
  6. إعلان الرئيس الفلسطيني وحدة الصف الفلسطيني وانصهار الفصائل في هيكل الدولة المؤسسي دون أدني شروط وذلك بتأسيس الأمن الفلسطيني كنواة للجيش النظامي.
  7. تعزيز سبل الدعم بين الحكومات العربية والحكومة الفلسطينية، بالإضافة إلى دعوة الدول العربية كافة دول العالم لتبادل التمثيل الدبلوماسي لها مع فلسطين .
  8. إعادة تنشيط مكتب المقاطعة بدمشق، وحصر المنتجات الأمريكية ومقاطعتها.
  9. إنهاء التعامل بالدولار في العمليات التجارية البينية بين الدول العربية.
  10. مقاطعة كافة المحافل الدولية التي تدعو لها الولايات المتحدة وعدم دعوتها للمشاركة في الفاعليات العربية.
  11. إعلان برنامج دولي للتوعية بالقضية الفلسطينية بشراكة مع المؤسسات الإعلامية في البلدان المعترفة بحقوق فلسطين.
  12. التنسيق الكامل بين جامعة الدول العربية والمنظمات الرافضة لقرار الولايات المتحدة حول العالم.
  13. إطلاق حملة لدعم التعليم الفلسطيني تحت شعار (تعلم.. لتنتصر) يشمل منح الفلسطينيين بعثات تعليمية بالمجان تقدم من الدول الداعمة .
  14. التصعيد الدبلوماسي واستدعاء كافة سفراء الدول العربية من الولايات المتحدة الأمريكية للمشاورة وتخفيض التمثيل الدبلوماسي لها في واشنطن.
  15. تجميد حركة التجارة البينية مع الولايات المتحدة.
  16. إضراب اتحاد العمال العرب عن تفريغ أي سفن ترفع علم الولايات المتحدة في الموانئ العربية.
  17. تجميد صفقات السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية.
  18. التهديد بتعليق كل الإتفاقيات (التجارية – السياسية) التي أبرمت مع الكيان الصهيوني حال تصعيد الأزمة.
  19. تخفيض الإستثمارات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية وفرض عقوبات على منتجاتها.

رابعًا: بعد طرح تلك الإجراءات خلال اجتماع الدول العربية، يتم فتح باب التصويت عليها من قبل كل دولة عربية، على أن تبث الجلسة على الهواء مباشرة أمام العالم أجمع.

وختاما يكفي أن نقول: “إذا كان اليهود يقولون: لا معنى لإسرائيل بدون القدس، فنحن نقول لهم: لا معني للعرب بدون فلسطين”، بهذه الكلمات أوضح المفكر المصري “جمال حمدان” موقفنا من فلسطين ومن القدس، عندما هدانا إلى المخرج الوحيد لأزمتنا بقوله: “إن فلسطين هي اليوم وعاء الوحدة الاسلامية السياسية مثلما هي مقياسها ومحقها الحق والحقيقي، وإذا كان ثمة للعالم الإسلامي من وحدة سياسية فهي وحدة العمل السياسي وهو العمل من أجل إنقاذ واستعادة فلسطين للعروبة والاسلام فإن الصهيونية اليوم هي أكبر خطر يواجه العالم العربي وأن تحرير فلسطين هو وحدة العالم الإسلامي السياسية، وأن وحدة العالم الإسلامي إنما هي فلسطين”.

عن الكاتب