تقديرات: الصين.. القطبية القادمة

Avatar
هيثم البشلاوي

بعكس الدور الذي اعتدنا أن نمنحه للصين؛ كانت هي تتطلع لقطبية العالم في الغد؛ فقد تعامل العالم مع الصين على أنها  تنين مترهل الجسد منشغل بإطعام نفسه، مسالم طالما ابتعد عنه الخطر، ورأت الولايات المتحدة وروسيا أنه يجدر بالصين أن تبقى في حديقة العالم الخلفية والتعامل معها بترويض سياسي واقتصادي، وبعكس هذا كانت الصين تتحرك وتراقب البوابة الأمامية للعالم لتحدد موضع قدمها  لقيادته.

الصين وإن كانت تعتمد نظرية  توازن القوى Balance of Powers كمحرك لسياساتها الخارجية إلا أن هذا التوازن المستمر بالنسبة لها مرحلة استنزاف لقوي المنافسين، فالصين تعمل بدقة على أهداف دولية مرحلية تبدو منفصلة وعشوائية للجميع؛ إلا أنها تتكامل على المدى المحدد  لها لتنتج استراتيجية الصين لقيادة العالم.

التنين الصيني حاليا لا يدعم  تحولات سياسية علنا ولا يتدخل في الشئون الداخلية للدول بالقدر الذي يجعله لاعبا منافسا للولايات المتحدة وروسيا؛ وبذلك فالصين مرحليا توظف موروث الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا كمعامل أمان  لمرحلة التوازن الحالية بما يجعلها تتفرغ  للتحرك بذراعها الاقتصادي في صمت، وتتبنى بذلك خطابا رسميا يتحدث عن التنمية السلمية.

إلا أن تلك التنمية وهذا التوازن  في حقيقة الأمر أشبه بستار من دخان أمام استراتيجية بكين في التحرك لتصبح قطبية دولية قادمة، وتلك الرغبة طبيعية ومشروعة لكل دولة تمتلك رؤية لمستقبلها الاقتصادي والسياسي، وفي مقابل تلك الرغبة المستترة تتنافس كلا من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية لاستقطاب الصين لدائرة حلفائهم، وكل هذا ليس مهما بالنسبة لنا كشرق أوسط بل الأهم أن ندرك واقع القطبية العالمية القادمة؛ وكيف تنظر إلينا؛ وكيف يتحرك أعدائنا لبناء رصيد علاقات وتعاون معها؟، فمتى تسقط أمريكا ستنهض الصين نحو عرش العالم ولن تسمح بموضع قدم لأحد، وفي تلك اللحظة لن تكون الصين مخيرة بين طموحها الاقتصادي وبين مصالح أمنها القومي وستري أن وزنها الاقتصادي لم يعد يسمح لها بالوقوف في الظل .

فمتلازمة الصين أن جيشها هو أكبر جيوش العالم عددا (2.3 مليون رجل وامرأة)، كما أنه أقلها في خوض الحروب، تلك المتلازمة بين تعداد الجيش وحالة السلام يجعلنا نعتقد أن تلك الحالة من الجاهزية والتعبئة الكثيفة ورائها دافع المستقبل المنتظر من بكين  فواقع الأمر أن الصين لم تعد معنية بتأمين حدودها بقدر ما باتت تطلع إلى محيطها الاستراتيجي بتنمية ذاتها.

ويبدوا هذا جليا في الكتاب الأبيض الذي نشره مجلس شؤون الدولة الصيني  والذى جاء فيه «ينبغي التخلي عن العقلية التقليدية التي تعتبر المخاطر البرية أكثر أهمية من المخاطر البحرية، حيث يجب إعطاء أهمية أكبر للتصرف في البحار والمحيطات وحماية الحقوق والمصالح البحرية الصينية»، وعلى كل الأحوال قطبية الصين ونفوذها العسكري تقف أمام عقبة محيطها  فهي تقف على  حدود مشتركة مع أربع عشرة دولة مجاورة، أربع منها تمتلك قدرات نووية، ما يجعل الصين بين شيزوفرنيا محيطها الجغرافي المعقد وطموحها الاستراتيجي في السيطرة على هذا المحيط ومن ثم العالم .

وعلى تلك القاعدة تتحرك الصين لتطويع محيطها  فبدأت بمضاعفة بناء الجزر الدفاعية الصناعية في بحر الصين لتخلق بذلك استراتيجية دفاعية جديدة لم تكن في حسبان الجميع لتجعل من نزاع بحر الصين مختبرا لقوتها  السياسية والعسكرية، ومن واقع تجربة التاريخ يتضح أن الصين قد استوعبت جيدا درس انهيار الاتحاد السوفيتي  وعاصرت بحضور المراقب لا المشارك في الحرب الباردة لتخرج من حقبة صراع قطبيات التاريخ بتجربتها المقلة  بعد أن  أدركت أن القوة العسكرية ليست كافية لقيادة العالم  وأن امتلاك الاتحاد السوفيتي جيشًا قويًا، لا يعوض فشله الاقتصادي الذى كان له معكوس على قدراته العسكرية وتخلفه في سباق التسلح؛ ثم انهياره؛ وباستيعاب لهذا الدرس  كان اختيار الصين  توظيف كتلتها البشرية  لتكون وقود لقوتها الاقتصادية؛ ثم تقودها هذه القوة الاقتصادية لقطبية العالم اقتصاديا؛ سياسيا؛ ثم عسكريا.

وختاما: ينبغي أن تدرك الدول العربية أنها سياسيا واقتصاديا على مرمى حجر من تلك القطبية الجديدة، وحينها علينا الاختيار بين أن نكون وقودا لقطبية دولية جديدة أو أن نكون شريكا اقتصاديا لها يمتلك القدرة على احتواء نفوذها بالمصالح المشتركة، وإذا كنا ندرك ضرورة الشراكة  مع هذا القطب في المعادلة الدولية الجديدة فعلينا أن نتحرك اليوم لإيجاد مسارات مشتركة معها خاصة على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي لنصبح بذلك قوة لها وزن في قرارها تجاه الإقليم بالكامل؛ وإن لم نفعل فأعدائنا يعملون على ذلك منذ سنوات وسنجد أنفسنا أمام أمريكا جديدة تتحدث الصينية.

 

مصدر البيانات: تقرير بصحيفة لوفيغارو الفرنسية تحت عنوان :هل ينبغي لنا أن نخاف من الجيش الشعبي الصيني؟

عن الكاتب