تقديرات: ارتدادات يائسة.. أبعاد ودلالات العمليات الإرهابيه فى مصر

Avatar
بهاء الدين عياد

باحث في العلاقات الدولية وشؤون الأمن القومي

يبدو أن تصاعد حدة العمليات العسكرية ضد العناصر الإرهابية في معاقل التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق وتحرير 90% من الأراضي التي كانت تحت سيطرة تنظيم “داعش”، وتضييق الخناق على العناصر الداعشية في غزة، قد دفع فروع أخرى لتلك التنظيمات إلى محاولة تصعيد نشاطها من جديد، فشهدت مصر 3 عمليات إرهابية نوعية على الأقل خلال شهر أكتوبر الجاري كان آخرها أحداث طريق الواحات التي راح ضحيتها نخبة من ضباط الشرطة المصرية، كما كانت قد هاجمت داعش مجمع محاكم في مصراتة الليبية، وتعرض قصر ملكي في جدة السعودية لهجوم آخر، مما يعطي مؤشرا جديدا على وجود ارتباط بين تضييق الخناق على مراكز النشاط الإرهابي وتصعيد الهجوم في الأطراف.

في طريق «الواحات»، تحولت عملية أمنية استباقية لدحر إحدى البؤر الإرهابية إلى معركة شرسة تكاد تكون كمين مُحكم ضد القوات الأمنية، وبادر المسلحون بمهاجمة القوات الأمر الذي نتج عنه خسائر فادحة في صفوف مجموعتي الشرطة القادمين من قوات شرطة محافظتي الجيزة والفيوم، واستمرت الاشتباكات لساعات وسط ندرة للمعلومات المؤكدة عن طبيعة الحادث.

وفي سيناء، تمكنت قوات إنفاذ القانون (الجمعة 13 أكتوبر) من إحباط هجوم إرهابي على إحدى الإرتكازات الأمنية بمدينة العريش لأشخاص يرتدون زي القوات المسلحة ومزودين بالأحزمة الناسفة والقنابل اليدوية والأسلحة النارية، في استهداف جديد للكتيبة 101 التي تعرضت لعدة هجمات خلال السنوات الماضية، وقد أدى هجوم الجمعة إلى استشهاد 6 أفراد من القوات المسلحة، وأعلنت القوات المسلحة أيضا بعد يومين (الأحد 15 أكتوبر) عن استشهاد 6 آخرين في هجوم بمنطقة كرم القواديس ومقتل عدد كبير من المهاجمين يزيد عن 20 إرهابيا، واستشهاد 3 أفراد شرطة ومدني على الأقل في هجوم هو الأول من نوعه لسرقة بنك في مدينة العريش (الإثنين 16 أكتوبر)، وذلك في أعقاب عدة عمليات استباقية ضبطت خلالها قوات الأمن في شمال سيناء، العديد من العبوات المتفجرة وأحبطت بذلك العديد من العمليات الإرهابية، من بينها عبوة ناسفة كبيرة الحجم يوم 5 أكتوبر 2017، زرعتها عناصر إرهابية لاستهداف قوات الأمن التي تمشط منطقة الحدود، وذلك خلال عمليات تمشيط ومداهمة لعدة مناطق قرب الحدود مع قطاع غزة بمدينة رفح.

 ولم يكن التصعيد الإرهابي الذي تشهده محافظة شمال سيناء المصرية مفاجئا، بل يُعد من التصعيد الموسمي المرتبط بمناسبات وطنية مثل ذكرى حرب أكتوبر، فضلا عن ارتباطه الواضح بالتطورات الإيجابية على صعيد العلاقات المصرية الفلسطينية خاصة التفاعلات الإيجابية بين القاهرة وحركة حماس التي تكللت مؤخرا بتوقيع اتفاق المصالحة وتغيير الأوضاع تدريجيا في غزة، وغالبا ما ارتبط التصعيد الإرهابي أيضا بفتح معبر رفح وموعد انتهاء أو تمديد حالة الطوارئ وقد وقعا متزامنان خلال الأسبوع الماضي. ورغم ما سبق الإشارة إليه من سياق يجعل من تلك الهجمات وتصاعدها أمرا متوقعا، إلا أن طبيعة الهجمات التي شهدتها سيناء والصحراء الغربية خلال الأيام الماضية تدل على سمات مختلفة للعمليات الإرهابية وأهدافها، وهو ما تسعى تلك الورقة لاستكشافه واختباره.

أولا: دوافع التصعيد الإرهابي:

هناك بعض الأهداف المباشرة سعت المجموعات الإرهابية إلى تحقيقها من خلال العملية الإرهابية التي شهدتها الوحات؛ وبتحليل طبيعة وتوقيت وتكتيكات تلك العملية نجد التالي:

  • التظاهر بالاستمرارية والسيطرة، حيث حرص التنظيم الإرهابي خلال الفترة الراهنة على إظهار سيطرته من خلال منشوراته الدعائية التي أظهرت جانب من الحياة العادية لمقاتلي التنظيم مثل احتفالهم بعيد الأضحى وما يزعمونه من مفاهيم حول تطبيق الشريعة مثل نشر صور لقطع يد سارق في شمال سيناء، والهجوم على شوارع تجارية هامة، وتنويع أهدافه داخليا وخارجيا سواء كانت عسكرية أو مدنية التي تشمل إلى جانب قوات الجيش والشرطة، الهجوم على المدنيين بدعوى التعاون مع الأمن واستهداف حراسة كنيسة.
  • تشتيت الانتباه وفتح الجبهات، حيث جاءت عملية الواحات متزامنة مع تصعيد إرهابي على الجبهة الشرقية في شمال سيناء، وهو ما يعطي مؤشرا قويا على مستوى التفاعل والتنسيق بين التهديدات الإرهابية من الجهتين، فتصعيد الهجوم خارج سيناء يستهدف تشتيت الانتباه نسبيا عن الوضع هناك، وزيادة تأثير العمليات التي وقعت مؤخرا في سيناء ضد الشرطة والجيش وبعض الأهداف المدنية، كما أن فتح جبهات في الظهير الصحراوي للمدن سيؤدي إلى تشتيت الانتباه عن مواجهة الخلايا الإرهابية التي ظهرت مؤخرا في المدن الجديدة مثل مدينة 6 أكتوبر والمناطق العشوائية مثل «شقة أرض اللواء»، والمناطق الريفية مثل «مزرعة البحيرة».
  • جلب موارد مالية للتنظيم، وذلك من خلال عملية الهجوم على البنك في العريش ومحاولة استهداف بعض المنشآت الاقتصادية، فضلا عن استئناف محاولات الهجوم على الكمائن بغرض سرقة محتوياتها من الأسلحة والذخائر، بعد أن ركز التنظيم في الفترة السابقة نسبيا على استهداف مدرعات الشرطة في العريش بالعبوات الناسفة.
  • إفساد تسارع خطوات المصالحة الفلسطينية، عبر إحداث تزامن بين فتح معبر رفح وتجدد هجمات سيناء من أجل خلق حالة غضب لدى الرأي العام ضد المصالحة، ومواجهة حملة اعتقالات شنتها حماس ضد قيادات السلفية الجهادية وداعش و«المنحرفين فكريا» في غزة، وانتهى ذلك إلى ضرب أحد بنود المصالحة بعد أن ألغت السلطات المصرية فتح معبر رفح الذي كان مقررا فتحه الإثنين الماضي حتى الخميس المقبل.
  • حشد وتجنيد العناصر الإرهابية، وذلك من خلال مخاطبة شواغل العناصر الإرهابية التي بدأت في الخروج من الرقة ومعاقل التنظيم الأساسية في سوريا والعراق، وهو ما يظهر في خطاب التنظيم حاليا الداعي إلى الانضمام لصفوفه، في محاولة منه لتقديم نفسه كوجهة مناسبة للإرهابيين العائدين من المناطق المحررة في سوريا والعراق.
  • محاولة التصدي للنجاحات التي حققتها عملية حق الشهيد التي أدت إلى تراجع كبير في إمكانيات التنظيم وقدرته على القيام بعمليات إرهابية نوعية بوتيرة سريعة، ورغم تراجع القدرة الكلية للتنظيمات الإرهابية تحت وطأة جهود الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية، إلا أن جماعات الإرهاب تبنت سياسة منهجية من أجل استهداف النسيج الوطني في مصر فاستهدفوا المدنيين عامة والأقباط والمؤيدين لجهود المؤسسات الأمنية خاصة، فضلا عن تنويع أهدافهم لتشمل منشآت ومصالح اقتصادية، فلم يعُد الهدف من عملياتهم التأثير الأمني بالدرجة الأولى بقدر شن حرب نفسية تسعى للتقليل من أهمية النجاحات التي حققتها جهود مكافحة الإرهاب.
  • التأثير على جهود التنمية لاسيما مع اقتراب الموسم السياحي، والاستحقاقات السياسية في مصر وأبرزها اقتراب الانتخابات الرئاسية المصرية، والتأثير على الدور الخارجي لمصر من خلال تشويه صورة الأوضاع الأمنية في مصر، وعرقلة مساعيها للاستئناف دورها المعتدل في الأزمات الإقليمية الراهنة كما جرى مؤخرا في سوريا وليبيا وفلسطين، ومحاولة استهداف أحد شعارات الترويج لـ«منتدى شباب العالم» المقرر عقده الشهر المقبل في شرم الشيخ وهو شعار «مصر آمنة»، فضلا عن تأثير عملية الواحات المباشر الذي أدى لتأجيل مراسم افتتاح مشروع مدينة العلمين الجديدة.

ثانيا: سمات العمليات الإرهابية ودلالاتها:

  • محاولة استنساخ العمليات السابقة الأكثر دموية:

يعتبر الهجوم على نخبة أمنية شرطية حاليا كما جرى في أحداث الواحات الإرهابية محاولة لاستنساخ العملية النوعية التي أدت للمرة الأولى إلى اغتيال قائد كبير في القوات المسلحة في نفس هذا التوقيت من العام الماضي وهو العميد عادل رجائي، فعلى الرغم من قيام حركة «لواء الثورة» الإرهابية بهذه العملية ضد أحد قيادات القوات المسلحة، إلا أن المواجهة على مدار عام كامل استمرت بينها وبين قوات العمليات الخاصة والأمن الوطني التي استطاعت الوصول لمنفذي عملية الاغتيال، وتفكيك العديد من الخلايا الإرهابية على مدار العام الماضي، وتميل الحركات الإرهابية إلى القيام بعمليات شبيهة في نفس التوقيت من العام رغبة منها في استنساخ التجربة وبث رسائل معينة، خاصة أنه في كل الأحوال يأتي تصاعد الهجوم بالتزامن مع انتصارات أكتوبر كأداة للحرب النفسية، فضلا عن ارتباط هذا الموعد لدى المتطرفين بمعاني الثأر لمقتل قائدهم ومؤسس حراكهم المسلح القيادي الإخواني محمد كمال. وتُعد عملية الواحات أيضا استنساخا لعملية أخرى وقعت في سبتمبر الماضي واستهدفت «قولا أمنيا» خلال مروره بطريق القنطرة العريش، ما أدى إلى مقتل 18 شرطيا، ومن الممكن أن تحفز تلك العمليات المجموعات الإرهابية على استنساخ وتكرار أسلوب نصب الأكمنة للقوات المهاجمة لتحقيق أكبر قدر من الخسائر خلال المواجهة المباشرة، إلا أن هذا التكتيك من الممكن أن يتحول إلى ما يشبه الانتحار الجماعي نتيجة لوقوع خسائر كبيرة أيضا في صفوف الإرهابيين.

أما الهجوم الإرهابي الذي وقع في منتصف أكتوبر 2017 على قوات الجيش في منطقة القواديس يمثل استنساخا ليس فقط من حيث نفس النطاق الجغرافي بل ومن حيث التوقيت لعملية كرم القواديس التي وقعت في أكتوبر 2014 والتي تُعد العملية الأكثر دموية في هذا التوقيت ضد قوات الجيش والتي كانت من آواخر العمليات التي أعلنت تنظيمات العنف المسلح في سيناء مسؤوليتها عنها تحت مسمى «أنصار بيت المقدس» إذ كان يبدو أن تلك العملية كانت بوابة مبايعة التنظيم لداعش، فبعد أسابيع قليلة أعلن التنظيم مبايعته لداعش في نوفمبر 2014 وهو ما أدى إلى تحول عميق في إمكانيات وعمليات التنظيم الإرهابي.

وباستدعاء أبرز التداعيات الأمنية الناتجة عن العملية الإرهابية في 2014، نجد أنها مرتبطة تماما بالسياق الراهن، وتؤيد التفسير القائل بالرغبة في استنساخ عملية كرم القواديس، ففي أكتوبر 2014 وكنتيجة للعملية الإرهابية، تم إعلان حالة الطوارئ في شمال سيناء، وإغلاق معبر رفح إلى أجل غير مسمى، ونشر قوات التدخل السريع في شمال سيناء، وتشديد الإجرائيات الأمنية على مخارج ومداخل محافظة شمال سيناء لمنع هروب المسلحين، وإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود مع قطاع غزة. وعليه فإن العملية الراهنة تعد استنساخا لعملية كرم القواديس التي رافقها أيضا هجمات أقل حدة في العريش كما جرى حاليا، إلا إنه يمكن القول بأن العملية لم تحقق أهدافها في منطقة القواديس فكان الهجوم في اليوم التالي مؤثرا في العريش، إذ نجحت القوات المسلحة يوم 15 أكتوبر 2017 في التصدي لمحاولة إرهابية فاشلة لاستهداف نقاط تأمين بمنطقة القواديس أسفرت عن مقتل 24 إرهابيا وإصابة فرد آخر وتدمير عربتي دفع رباعي تستخدمها العناصر الإرهابية أما الخسائر القوات فكانت 6 أفراد، بينما في العملية الأولى في 2014 فقد أسفرت عن خسارة 30 من قوات إنفاذ القانون.

ويعتبر كمين كرم القواديس بالشيخ زويد كمين استراتيجي، وتعرض خلال السنوات الأخيرة لعدة هجمات دامية من جانب التنظيم الإرهابي كان أبرزها الهجوم الأول في 24 أكتوبر من العام 2014، والذي أدى لتدمير الكمين، ورغم مهاجمته بعدد أكبر من المسلحين فقد كانت نتائج الهجوم أكثر خسائرا في صفوف التنظيم الإرهابي في عملية واحدة من هذا النوع، ويُعد الكمين أحد أهم الكمائن التي تقع بين مدينتي العريش ورفع بسيناء، ويمثل نقطة محورية مهمة في طرق الإمداد وتقديم الدعم اللوجيستي للإرهابيين، فهو يعزل خلايا التنظيم عن بعضها البعض، ولذلك فإن مهاجمته استهدفت أيضا التغلب على الحصار المفروض على تلك المجموعات. ويعد الهجوم الأخير ثالث هجوم إرهابي فاشل على كمين كرم القواديس.

مصير العناصر المهاجمة للكمين في 2017 يتسق مع ما وصلت إليه الأمور في معاقل تنظيم داعش الذي استسلم وخرج مئات من مقاتليه من الرقة معقل التنظيم في سوريا، فالهجوم الأول الذي حاول التنظيم استنساخه كان بمثابة إعلان بيعة لتنظيم داعش في 2014، في عملية أسماها «صولة الأنصار» والتي تكررت نسخة أخرى منها في 1 / 7 /2015 بعنوان «صولة الأنصار 2» الذي كان أكبر هجوم متزامن على أكمنة الجيش في سيناء، أما العملية الأخيرة فهي تدل على منحنى التراجع في أداء التنظيم؛ حيث كانت أشبه بانتحار جماعي للعناصر الإرهابية المهاجمة، مقارنة بالهجمات الأخرى التي حققت خسائر كبيرة في صفوف قوات الأمن.

  • دلالات توقيت الهجمات الأخيرة:

قد لا يُعطي توقيت العمليات الإرهابية دلالة عميقة، إلا أن الهجمات الأخيرة قد ارتبطت بوضوح بسياقات معنية داخليا وإقليميا، كما أن توقيت كل عملية مهم في حد ذاته لمتابعة مسار التصعيد الإرهابي ومقارنة الهجمات الأخيرة بالعمليات السابقة، انتهاءً إلى إمكانية التنبؤ باحتمالية وقوع عمليات مستقبلية في نطاق زمني معين ارتباطا بتكرار التزامن بين الهجمات الإرهابية ومناسبات دورية معينة، وفي هذا الإطار يمكن الاشارة إلى الملاحظات التالية حول توقيت الهجمات الأخيرة

  • وتيرة الهجمات الإرهابية: التصعيد الأخير يعد الموجة الرابعة من الاستهداف النوعي المكثف خلال هذا العام، بعد عملية استهداف «قولا أمنيا» تابعا للشرطة في محافظة شمال سيناء يوم 11 سبتمبر 2017، والذي أدى إلى استشهاد 18 من رجال الشرطة، وذلك بعد عمليتي كمين المطافئ ضد قوات الشرطة في العريش في يناير 2017، وعملية كمين «البرث» ونقاط أمنية في رفح ضد القوات المسلحة في يوليو الماضي استهدف الهجوم الكتيبة «103 صاعقة» والذي أدى إلى استشهاد قائدها المقدم أحمد المنسي، وكذلك هجوم العريش الأخير ثالث أكبر العمليات الإرهابية التي استهدفت الشرطة في نفس المنطقة، ودلالة التوقيت تظهر في أن الفارق الزمني بين آخر عمليتين كبيرتين يتجاوز شهرا واحدا بالكاد، بينما استغرقت الجماعات المسلحة 6 أشهر في بداية العام كفاصل زمني طويل نسبيا للقيام بعملية نوعية بعد استهداف كمين المطافئ في بداية العام، ما يعني أن وتيرة الهجمات أصبحت في تصاعد خلال الأسابيع الأخيرة، ولكن المحصلة النهائية تراجع كمي للعمليات النوعية مقارنة بالسنوات الماضية التي تلت إسقاط حكم الإخوان في صيف 2013.

 

  • إجراءات حصار العناصر الإرهابية: وقعت العناصر الداعشية في غزة وسيناء في حالة حصار نتيجة التفاهمات والاتفاقات الراهنة التي تضمنت استجابة لمطالب أمنية مصرية، وبالتزامن مع إقامة حركة حماس منطقة عازلة ومراقبة في حدود غزة مع مصر ونشر صورها في أوائل أكتوبر الجاري بعد أن استمرت في إقامتها خلال صيف 2017، والبالغ طولها نحو 13 كيلو مترًا بعمق 100 متر داخل الحدود الفلسطينية. وقد تزامن ذلك مع إعلان محافظ شمال سيناء، قبيل الهجمات الأخيرة، عن البدء في المرحلة الثالثة للمنطقة العازلة بمدينة رفح، وإعلان أنه تم صرف 800 مليون جنيه تعويضات للأهالي في المرحلتين الأولى والثانية للمنطقة العازلة برفح والتي وصلت إلى 1000 متر بينما ستصبح تلك المنطقة 1500 متر عقب الانتهاء من المرحلة الثالثة. وقد اشتد التصعيد الإرهابي بعد وقوع العناصر الداعشية بين مطرقة عمليات قوات إنفاذ القانون في سيناء وسندان ملاحقة «حماس» للعناصر الإرهابية والمتعاطفين مع داعش في غزة منذ أغسطس الماضي بعد التفاهمات الأخيرة مع مصر وقيام عناصر داعشية ببعض الهجمات ضد قوات تابعة لكتائب القسام على الحدود مع مصر.

  • إعلان حالة الطوارئ:

على مدار ثلاث سنوات ومنذ المرة الأولى لإعلان تطبيق حالة الطوارئ وحظر التجول في جزء من محافظة شمال سيناء منذ أكتوبر عام 2014، تعمد تنظيم ولاية سيناء الإرهابي القيام بعمليات مؤثرة مع كل موعد لتمديد حالة الطوارئ في مثلث مكافحة النشاط الإرهابي بين مدينة العريش ومدينة رفح الحدودية مرورا بمدينة الشيخ زويد، وهي المنطقة التي تنشط فيها الجماعات الإرهابية، والتي لا تزيد مساحتها عن 1200 كيلو متر مربع، وبعد أن تم إعلان حالة طوارئ عامة على المستوى الوطني وقع هجومين مزدوجين على كنيستين بطنطا والأسكندرية في إبريل 2017، وجاءت الهجمات والمحاولات الإرهابية الأخيرة غداة إعلان تمديد حالة الطوارئ للمرة الثالثة.

ونشرت الجريدة الرسمية بتاريخ ١٠ أكتوبر ٢٠١٧ القرار الجمهوري الذي مدد حالة الطوارئ على المستوى الوطني لمدة ثلاثة أشهر بدأت منذ يوم الجمعة ١٣ أكتوبر (وتزامن معها محاولة الهجوم الإرهابي على كتيبة 101)، أي بعد فاصل زمني يومين فقط من انتهاء العمل بحالة الطوارئ التي امتدت لستة أشهر. ودائما ما تفاخرت خطابات التنظيم بقدرتها على شن هجماتها في ظل القبضة الأمنية والعسكرية القوية في سيناء، فضلا عن استغلالها لتلك الإجراءات للدعاية والتبرير، وإثارة موضوع الطوارئ لإدعاء المظلومية، والتشكيك في قدرة الإجراءات الأمنية على ردعهم عن القيام بعملياتهم، وإثارة حالة رفض لتمديد الطوارئ للتغلب على تشديد القبضة الأمنية.

 

  • تزامن الهجمات مع المناسبات الوطنية: تزامنت الهجمات الأخيرة مع عدة مناسبات أبرزها احتفالات أكتوبر وبداية الموسم الدراسي حيث أدت العمليات الأخيرة في العريش إلى تعطيل الدراسة، خاصة وأنه دائما ما تكثف المجموعات الإرهابية من هجماتها في المناسبات الوطنية والدينية، فأبرز الهجمات الإرهابية تزامنت مع (شهر رمضان مثل «مذبحة رفح» 2012 و«مذبحة الفرافرة» 2014، وثورة 23 يوليو مثل هجمات شرم الشيخ 2005 وهجوم البرث في يوليو الماضي، وانتصارات أكتوبر مثل هجوم أكتوبر 2014 في كرم القواديس وإسقاط الطائرة الروسية، وكذلك الهجمات المتعلقة بنهاية العام الميلادي والأعياد المسيحية).

  • تقدم المصالحة الفلسطينية: استغل التنظيم الإرهابي في سيناء هذا التوقيت من أجل التشويش على جهود المصالحة وتخريبها على الأقل من خلال منع استمرار فتح معبر رفح لأسباب أمنية مما يعني عدم تحقيق أحد أهم جوانب التفاهمات الراهنة بين مصر وحماس من جهة، ومحاولة تعطيل تسلم حرس الرئاسة الفلسطينية للمعابر من الجانب الفلسطيني المقرر أن يتم في بداية نوفمبر 2017. ومؤخرا تعرضت قوات تابعة للقسام لهجوم انتحاري داعشي عند معبر رفح من الجهة الفلسطينية، ما يُعد مؤشرا على اهتمام العناصر الإرهابية بالتأثير على عملية فتح المعبر ورغبتها في استمرار الأنفاق الحدودية، فضلا عن غضبها من حملة حماس ضدها، وقبل نحو أسبوعين من الهجوم على العريش ذكرت وسائل إعلام محلية مصرية أنباء غير منسوبة لمصادر رسمية بأن قوات الشرطة ألقت القبض على فلسطينية وبحوزتها خرائط ورسومات خاصة بأماكن الأكمنة الأمنية والمؤسسات الشرطية والعسكرية في العريش.

 

  • الاستهداف الاقتصادي والمدني في عملية العريش:

شهدت مصر تصعيدا غير مسبوق في عمليات التخريب والاستهداف الاقتصادي، في الشهور التي سبقت عقد المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ في مارس 2015، إلا أن نطاق تلك العمليات تركز على العمق المصري في الوادي والدلتا بهدف إفشال المؤتمر وإرهاب المستثمرين، وجاء الهجوم الإرهابي على بنك العريش ليعيد للأذهان عمليات استهداف ممتلكات المواطنين وخاصة محال المجوهرات المملوكة لأقباط قبل عقود لتمويل العمليات الإرهابية، فقد كان واضحا أن الهدف من عملية العريش الأخيرة في شارع المال والأعمال توفير مورد مالي؛ حيث قدرت قيمة المسروقات بنحو 17 مليون جنيه أي ما يقارب من مليون دولار، مع وجود مناوشات في شارع محلات المصوغات الذهبية والمجوهرات بالعريش، بهدف التشتيت والتغطية على عملية سرقة البنك، وكمقدمة للدخول شارع الصاغة، وتدل خسائر الهجوم على الهدف منه حيث استشهد حراس البنك من الشرطة والمدنيين وعددهم 4 أفراد، أي أن الهجوم لم يستهدف إحداث أكبر قدر من الخسائر في صفوف قوات الأمن كما هو الحال في الهجمات التقليدية التي تنفذها داعش في العريش.

وتسبب الهجوم في تخفيض معدل السيولة النقدية بالبنوك العاملة في العريش وإغلاق المحال التجارية وتضررها من الاشتباكات، وانقطاع التيار الكهربائي بأحد خطوطه الرئيسية، والتأثير على النشاط المالي حيث تعرضت البورصة المصرية لخسائر قدرت بـ16 مليار جنيه على غير العادة بالمقارنة بالمكاسب خلال الأيام السابقة للحادث.

الاستهداف الاقتصادي للعناصر الداعشية يكشف عن تضررهم من عمليات الحصار التي تواجهها تلك المجموعات في سيناء، فضلا عن محاصرة مموليهم وداعميهم إقليميا، كما أنه لم يكن الاستهداف الأول، حيث تعرض مصنع أسمنت تابع للقوات المسلحة في وسط سيناء لمحاولة إرهابية كبيرة حين استهدفت سيارة مفخخة المصنع قبل أن يتمكن أحد الجنود في برج المراقبة القريب من بوابة المصنع من استهداف السيارة وتفجيراها بعد أن تخطت الحواجز بسرعة عالية، صباح يوم 10 أكتوبر 2017. وفي سبتمبر الماضي استهدف مسلحون سيارة لنقل الأسمنت من نفس المصنع، كما هاجموا مواقع عمل ودمروا خلالها مُعدات ثقيلة تُستخدم في رصف طرق جديدة تشرف عليها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في سيناء، وسبق أن قام متهمون يحاكمون حاليا بتهمة «تأسيس تنظيم داعش في صعيد مصر» بسرقة سيارة نقل أموال.

 

  • ملاحظات حول التعامل الإعلامي مع الأحداث:

 لم تعلن القوات المسلحة سوى عن إحباطها الهجوم الذي تم يوم 15 أكتوبر 2017، ونشرت مجموعة كبيرة من الصور ومقاطع الفيديو التي توضح تصديها للمهاجمين مع دور كبير للطيران الحربي في تعقب سيارات المهاجمين وتدميرها.. ولم تتناول القوات المسلحة الهجوم الذي تم في المنطقة السكنية في قلب العريش يوم 16 أكتوبر، حيث أعلنت وزارة الداخلية في بيان مقتضب عن هجوم العريش بشارع 23 يوليو الذي استهدف نقاط وتمركزات أمنية معينة لتأمين بعض المنشآت الهامة من بينها كنيسة وقيام العناصر الإرهابية باستهداف فرع أحد البنوك وسرقة مبالغ مالية كبيرة وقتل 3 شرطيين وفرد أمن خاص بالبنك ومواطنة مدنية وإصابة عدد من المواطنين، وقد أشار البيان الرسمي إلى استهداف البنك كأنه حادث عارض في حين أن شهود العيان يؤكدون أن الهدف الأساسي كان سرقة البنك وأن الهجوم على المرتكزات الأمنية في العريش كان الهدف منه منع تلك القوات من المساعدة في رد الهجوم على البنك.

وفي عملية الواحات، ونظرا لطبيعة الاشتباكات فقد تأخرت وزارة الداخلية في الإعلان عن تفاصيل الأحداث؛ ما دفع وسائل الإعلام إلى نشر معلومات غير دقيقة عن الاشتباكات، أثرت سلبيا على موقف الرأي العام، وبعد صدور البيان الثاني بعد مرور يوم على الأحداث، لم يأتِ سوى استكمالا لما سبق الإعلان عنه، حيث أعادت الداخلية توضيح أن الهجوم لم يكن استهدافا لقولا أمنيا، إنما اشتباك مع مجموعة مسلحة خلال عملية أمنية بناء على المعلومات التي وردت لقطاع الأمن الوطني حول اتخاذ مجموعة من العناصر الإرهابية من إحدى المناطق بالعمق الصحراوي بالكيلو 135 بطريق أكتوبر- الواحات في محافظة الجيزة مكانا للاختباء والتدريب والتجهيز للقيام بعمليات إرهابية، ونفت الوزارة ضمنيا الحديث عن وجود اختراق أمني للمجموعة التي هاجمت المسلحين، ولكنها اعترفت بأن الإرهابيين المستهدفين هم من بادروا بالهجوم على القوات الأمنية، وتمكنوا من الاشتباك لعدة ساعات معهم. واهتمت الداخلية المصرية بالتعليق على التغطية الإعلامية للحادث، منتقدة تسرع وسائل الإعلام في نشر تفاصيل غير دقيقة، مطالبة وسائل الإعلام بتحري الدقة في المعلومات الأمنية قبل نشرها، لإتاحة الفرصة للأجهزة المعنية للتحقق من المعلومات، لتجنب التأثير سلبا على سير عمليات المواجهة والروح المعنوية للقوات. وتسلط الحادثة الأخيرة الضوء على ضرورة مراجعة وتغيير أسلوب المواجهة المباشرة مع العناصر المسلحة، وزيادة التنسيق بين القوات المعنية بإنفاذ القانون.

التعامل الإعلامي ضاعف من تأثير العملية الإرهابية التي اتخذت صيغة المعركة النفسية من خلال إطلاق الشائعات وصور البيانات الرسمية المُزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، والمبالغات حول عدد الخسائر في قوات الشرطة كما جرى في اشتباكات «الأربعاء الدامي» ضد نقاط الجيش يوم 1 يوليو 2015 وما صاحبها من شائعات كذبتها عمليات الجيش المدعومة بمقاطع الفيديو المصورة من القوات الجوية. وأدى انتشار بعض التسريبات الصوتية الملفقة واستغلال المتعاطفين مع الإخوان والجماعات الإرهابية الحادث كأداة للحرب النفسية عبر التشكيك ومحاولة هدم الروح المعنوية والثقة في قدرات الدولة وأجهزة الأمن، ونشر المغالطات والتكذيب والدعوة إلى وجود حل سياسي مع الإرهابيين لإنهاء التهديدات المستمرة والمتصاعدة منذ سنوات.

  • التحول في خريطة انتشار بؤر التوتر:

تعد أحداث طريق الواحات هي المواجهة الأكبر في تلك المنطقة من الظهير الصحراوي لمحافظة الجيزة وهي المنطقة التي شهدت مواجهات متكررة بين قوات الأمن وخلايا عناصر من حركة حسم، ويدل هذا الاتجاه على تحول في بؤر النشاط الإرهابي من المدن الجديدة والشقق السكنية في المناطق العشوائية إلى الظهير الصحراوي ومناطق غير تقليدية، فالمجموعة الإرهابية في عملية الواحات اتخذت إحدى المناطق بالعمق الصحراوي بالكيلو 135 بطريق أكتوبر الواحات في محافظة الجيزة مكانا للاختباء والتدريب والتجهيز للقيام بعمليات إرهابية، استغلالا للطبيعة الجغرافية الوعرة للظهير الصحراوي وسهولة تحركهم خلالها، وسبق أن أظهرت إصدارات حركتي حسم ولواء الثورة مثل «قاتلوهم» و«أزيز الرصاص» وجود مراكز تدريب لها في الصحراء، وتم اكتشاف بعضها على مدار الشهور الماضية.

ومؤخرا تمكنت الشرطة، من خلال  اعترافات الكثير من المقبوض عليهم في نطاق تلك المنطقة من أعضاء الحركات الإرهابية حديثة النشأة المتحالفة مع الإخوان مثل حسم ولواء الثورة، من تصفية عدد من العناصر الإرهابية في تلك المنطقة بوتيرة متكررة، من بينها عملية تصفية قيادي بحركة حسم في يونيو الماضي يضطلع بمسؤولية الدعم المالي للحركة مركزيا ومطلوب ضبطه وإحضاره في القضية رقم 420/2017. وعلى مدار الشهور الماضية أيضا، تصاعدت التهديدات القادمة من الحدود الغربية، خاصة محاولات اختراق الحدود المصرية الليبية عبر مواكب من السيارات وجرى التصدي لها من خلال عمليات للقوات الجوية بمجرد اقترابها من خط الحدود الدولية بالاتجاه الاستراتيجي الغربي.

ثالثا توصيات ختامية:

1- زيادة الاعتماد على سلاح الجو في عمليات مواجهة الجماعات المسلحة المنظمة وخاصة الطائرات دون طيار التي يمكنها القيام بمهمات القتال والاستطلاع في آن واحد، وكذلك ضرورة تقنين وتنظيم استخدام طائرات الدرونز التجارية وترخصيها ومتابعتها من خلال التطبيقات الذكية. وقد اثبتت مشاركة القوات الجوية في العديد من المعارك قدرة فائقة على احباط محاولات اختراق الحدود ورد الهجمات عبر السيارات المفخخة على بعض الكمائن فضلا عن معادلة الهجمات المفاجئة من خلال الهجوم المضاد على فلول الارهابيين والعناصر المهاجمة خلال هروبها.. ويمكن زيادة قدرات وزارة الشرطة جويا وزيادة التنسيق من خلال العمليات المشتركة لقوات إنفاذ القانون من الجيش والشرطة.

2- ضمان الاجراءات والتدابير التي تؤدي إلى استهداف العناصر الارهابية عن طريق المبادرة الهجومية، حيث لا تناسب الاساليب الدفاعية مع الطبيعة والعقيدة القتالية لتلك التنظيمات التي تعتمد على الهجوم المفاجئ والحاد.

3-  الاسراع في تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية بصياغة وإقرار استراتيجية شاملة لمكافحة الارهاب والتطرف من خلال الدور الأساسي الذي يطلع به المجلس القومي لمكافحة الارهاب في هذا الصدد، ومواجهة تلك الظاهرة داخلياً وخارجياً، بحيث تشمل مختلف المحاور الأمنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين جميع أجهزة الدولة بالنسبة لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

4- مواجهة أدوات الحرب النفسية التي تستخدمها الجماعات الارهابية ومن يدعمها من وسائل اعلام والمتعاطفين من المتطرفين، وتطبيق مواد قانون العقوبات وقانون مكافحة الارهاب على يذيع عمدا أخبارا أو بيانات أو شائعات كاذبة أو مغرضة أو دعاية مثيرة، مع ضرورة التزام السلطات بالشفافية بالقدر الممكن حول الاجراءات الخاصة بمكافحة الارهاب طبقا للقانون.

5- احياء مبادرة تسليم الاسلحة الغير مرخصة وتكثيف حملات القضاء على تجارة السلاح، وقطع خطوط الامتداد والتواصل بين التنظيمات الارهابية وحصارها وتجفيف منابع تمويلها ودعمها، بالتوازي مع استمرار خطة وزارة الداخلية لتفكيك الخلايا الارهابية من خلال عملياتها النوعية، مع ضرورة زيادة الحراسة على المنشآت الحيوية والاقتصادية.

6-  دراسة مدى إمكانية اطلاق مبادرة وتدشين برنامج أمني وثقافي واجتماعي خاص لـ«المناصحة والاستتابة» للعناصر المتطرفة من أجل دفعهم إلى تسليم أنفسهم للسلطات المختصة، مع وجود ضمانات أمنية وقضائية لمعاقبتهم على الجرائم الارهابية بصورة تضمن العدالة وتطبيق القانون مع وجود حوافز لتركهم للتنظيمات الارهابية والمتطرفة بالحصول على أحكام مخففة او حصولهم على حوافز بعد قضائهم للعقوبة او خلالها، والاستفادة من اعترافاتهم في تفكيك الخلايا الارهابية.

عن الكاتب