تقديرات: إيران وتركيا.. غاية السيطرة على المنطقة تبرر الوسيلة

Avatar
كريم رجب

تقديم:

مصر أول دولة  في التاريخ لها السبق في التأثير على مجالها الاستراتيجي؛ فكانت تقف على منابع النيل وعيناها  باتجاة ناصية الانعطاف الشرقي للبحر المتوسط ؛ وبدوران عجلة التاريخ عكس اتجاه جغرافيتها؛ سيطرت قوى مختلفة منها الحيثيين؛ الفرس؛ الرومان والصليبين ثم أخيرا الصهاينة؛ على مجالها  الشرقي، كان مجال مصر وبلا انقطاع ساحة للصراع على النفوذ والتأثير منذ عصر الإمبراطوريات وحتي عصر القطبيات، وبهذا كان نصيب مصر من التاريخ أكبر سجل عسكري للدفاع عن مجالها الاستراتيجي.

 

  • أولا: الشرق الأوسط.. المطمع التاريخي

هذه المنطقة لها أهمية خاصة تجعلها متفردة عن باقي بقاع العالم؛ فهي ثقافيا تتمتع بمنزلة روحية عند أغلب شعوب العالم لأنها كانت مهدًا للديانات السماوية “اليهودية، المسيحية والإسلام”، أما موقعها الجغرافي الممتد من إيران شرقا وحتى جبال أطلس في المغرب العربي؛ ومن حافة الأناضول شمال سوريا والعراق حتى مضيق باب المندب والقرن الإفريقي، جعلها منجما ذهبيا للثروات الطبيعية، فضلا عن تميزها كميدان عسكري لما لها من اتساع وعمق متنوع المناخ كذلك انتشار السواحل وكذلك إمكانية إنشاء خطوط مواصلات برية.

لم تغب المنطقة أبدا عن الاستراتيجية العالمية وإن كان دورها متباينا؛ فكان سكانها لهم الريادة والسيادة في العالم القديم “مصر؛ والعرب”، أو دور الشريك في صياغة القرار الاستراتيجي كما كان الحال تحت حكم الإمبراطورية الرومانية والفارسية، أو دور التابع المنفذ وهو ما تجلى منذ سيطرة العثمانيين حتى سقطت دولتهم؛ بعد ذلك بريطانيا وفرنسا؛ إلى أن سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية عليها حتى يومنا هذا، لم تستكين مصر طوال فترات سيطرة العثمانيين أو القوى الغربية على المنطقة وكانت تجربتي محمد علي باشا؛ وجمال عبد الناصر مؤثرتين بقوة في الساحة السياسية الدولية.

وفي بدايات القرن العشرين كانت المنطقة على موعد مع تغيير بعد ركود؛ فالدولة العثمانية التي انفردت وحدها بسجل إجرامي طال ديانات وقوميات عدة نذكر منه ما بدأ مع دخول جيوش سليم الأول الشام مثل مذابح عام 1515م قتل 55 ألفا من السوريين في حلب ومعرة النعمان؛ وفي 1516 م 45 ألفا في دمشق وريف إدلب والحسكة؛ و في 1517م قتل ما يزيد على 10 آلاف رجل وامرأة وطفل في يوم واحد،  كما ذكر المؤرخ ابن إياس الذي وثق اقتحامهم لجامع الأزهر الشريف وتخريبهم لضريح السيدة نفسية ونهبهم اﻷموال والغلال، والقبض على العمال والحرفيين المصريين وترحيلهم إلى اسطنبول كي يعمروها، فضلا عن جريمة لا تقل حقارة وهي المتعلقة بتوطين آلاف العائلات التركية في الشام؛ فلسطين ومصر كي تكون لهم السيادة ومعاملة أصحاب الأرض باحتقار واستعباد، كان طبيعيا أن تستغل بريطانيا وفرنسا هذا السجل الإجرامي وتحرض العرب ضد الأتراك فخارت قوة الدولة العثمانية، فشهدت المنطقة نفوذا جديدا تشكلت على إثره دول منطقة الشرق الأوسط، ومع تزايد الحركات الوطنية المطالبة بجلاء الاحتلال الجديد وتسارع الأحداث العالمية حصلت بعض الدول على استقلال صوري؛ بينما كان القمع حلا في بلدان أخرى؛ ليظل سكان المنطقة تابعين منفذين لاستراتيجية المحتل الغربي.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية والإعلان عن الكيان الصهيوني على أرض فلسطين كانت المنطقة على موعد جديد لتعود فيه مصر إلى صناعة استراتيجية المنطقة بدور ريادي سيادي؛ لا شريك أو تابع، وأنهت حركة الضباط الأحرار سيطرة عسكر العثمانيين والألبان والاحتلال الإنجليزي على مقدرات مصر والمنطقة، كانت حركت وطنية خالصة سعت لاستعادة مجد أمتها؛ قوبلت بالعداء من الإمبريالية الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية؛ فكانت محاولات الاغتيال والعدوان الثلاثي والنكسة تهدف لإخضاع مصر وتحجيمها وتأديبها بسبب دعم حركات التحرر وقيادة إفريقيا وتوحيد العرب؛ لكن الإرادة المصرية كانت أقوى من كل هذا؛ لم تفلح أي محاولة لقتل عبد الناصر؛ كما أسفرت حرب السويس عن انتصار ساحق لمصر تكلل بانسحاب فرنسا وإنجلترا وإسرائيل، أما النكسة فكانت هزة لتصحيح الأخطاء وكانت تمهيدًا لأول نصر على الصهاينة.

تركيا كانت تسعى لاستعادة ماضيها الذي ولى إلى غير رجعة؛ فكان تصرف السفير التركي في القاهرة مساء الثاني من يناير 1954 خير دليل على العداء الذي جاهرت به حكومة عدنان مندريس في أنقرة لمصر الثورة، وكما ذكرت صحيفة الأهرام في عددها الصادر بتاريخ 5 يناير 1954 الواقعة؛ ذهب نائب رئيس الوزراء المصري جمال عبد الناصر لحضور احتفال وزارة الإرشاد بافتتاح موسم دار الأوبرا فصافح السفير الهندي؛ ونظر إلى فؤاد طوغاي سفير تركيا واكتفي بتحيته قائلا: هالو، فجن جنون طوغاي وقال: “لن تكون هناك صداقة بيننا وبينكم أبدا”، فأدار عبد الناصر ظهره ولم يعره أي اهتمام؛ مستكملا حديثه مع سفير الهند ووزير السويد المفوض، وعلى الفور صدر قرار بطرد طوغاي من القاهرة، ولم تتوقف تركيا بعد ذلك فهذا الـ”مندريس” الذي اعترف بالكيان الصهيوني وتبادل السفراء معه في 1953 لم يخفي عداءه لمصر والعروبة، انضم فورا إلى حلف بغداد الذي أنشأته المخابرات الأمريكية 1955، ولم يدين العدوان الثلاثي على مصر في وقت وقفت فيه أغلب بلدان العالم مع القاهرة، كما هدد بشن عدوان مدعوما من الكيان الصهيوني ضد سوريا في 1957 لتقوم مصر على الفور بإنزل قواتها في اللاذقية بتاريخ 13 أكتوبر دفاعا عن سوريا ضد الأطماع التركية، وما أنا قامت الوحدة بين مصر وسوريا 1958 لم يهدأ بل وتآمر ضدها بالتعاون مع بلد عربي للأسف، بالإضافة إلى وصول التنسيق مع الصهاينة لأعلى مستوياته في 1959، كما رفض دعم أي محاولة لاستقلال البلدان العربية ولعل موقفه من الجزائر خير دليل حيث اعتبرها شأنا داخليا فرنسيا، أضف إلى ذلك استخدام الطيارين الصهاينة للأجواء التركية في التدريب؛ وذهاب وحدات من الجيش التركي للتدريب على أرض فلسطين المحتلة، إلى أن انتهى به الحال مشنوقا في 1961.

كان حلف بغداد المناهض للقومية العربية هو الجامع لكل أعداء مصر قديما وحديثا؛ فلم تدم علاقة الضباط الأحرار بصاحب الريادة في تجربة تأميم النفط الإيراني محمد مصدق كثيرًا؛ فحكم الشاه محمد رضا بهلوي بانقلاب مدعوم من أمريكا وبريطانيا سنة 1953؛ ولم يتأخر عن تنفيذ الأوامر بالانضمام لحلف بغداد في 1955، وكان اعتماد الطيران الإسرائيلي على النفط الإيراني بشكل كامل في العدوان الثلاثي ضد مصر دعما لم ولن ينسى؛ ثم أكد الشاه العداء بتجديد الاعتراف بالكيان الصهيوني سنة 1960- كان مصدق قد ألغاه فور وصوله للحكم 1951-؛ وهو ما رآه الرئيس جمال عبد الناصر تصرفا خطيرًا أن تبادر دولة إسلامية بالاعتراف بالكيان الصهيوني ما قد يدفع دولا أخرى أن تسير في نفس الطريق؛ فوصف ناصر الشاه بأنه عميل الإمبريالية وقررت مصر دعم المعارضة الإيرانية، ولم يتوقف الشاه عند هذا الحد بل تحالف مع السعودية تحت قيادة الملك فيصل ضد مصر على وقع حرب اليمن؛ وحاولا تأسيس حلف إسلامي مضاد للوحدة العربية؛ كانا يخشيان من المد الناصري فكان التقارب بين طهران والرياض غير مسبوق في هذه الفترة، وبعد وفاة الرئيس عبد الناصر شهدت فترة السادات ذروة التقارب المصري الإيراني والذي سرعان ما تبدد بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران 1979.

شهدت منطقة الشرق الأوسط الفترة من 1954-1970 نفوذا مصريا استراتيجيا خالصا؛ بالغ القوة والبأس؛ مدعوما بتأييد جماهيري منقطع النظير؛ لم تستطع الإمبريالية الغربية أن تخضع القاهرة أو تدخلها في حظيرتها على الرغم من الاعتداءات المتكررة؛ ولم ترضى مصر أن تقيم علاقات مع الاتحاد السوفييتي نكاية في المعسكر الغربي؛ كانت إرادة مصر هي التي أنهت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وأخرجت فرنسا من الجزائر؛ وأرقت المعسكر الغربي بدعمها لحركات التحرر؛ اتبعت مصر في هذه الفترة استراتيجية الاعتماد على الذات، لم تحتاج لدول أخرى لتدافع عن أمنها أو حاجاتها الأساسية، بدأت إنتاج سلاحها بنفسها، كان لديها القدرة على الحركة باتساع الكون، أيضا تمتعت بقدرة إنتاجية جعلتها لا تحتاج لطرف أو أطراف أخرى، وإذا احتاجت لأسباب ما فإن لديها من المال والوسائل الاقتصادية ما يكفي لكي تحصل على ما تريد.

بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وتلاشي الخطر الذي كانت تخشاه تركيا، ودفع إيران للتحالف مع السعودية؛ بدأت تظهر المطامع على استحياء، وبعد حرب أكتوبر 1973 ودخول مصر للمعسكر الغربي وتوقيع اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني، باتت المنطقة في فراغ سياسي مخيف؛ فالعدو الذي خسر الحرب من مصر كان يعاني اقتصاديا وسياسيا؛ أما مصر التي انتصرت فوقعت اتفاقية للسلام وخرجت بذلك من السيادة الإقليمية؛ وهو ما دفع إيران في عام 1979 بعد ثورتها الإسلامية إلى المجاهرة بالعداء ضد مصر، ومحاولة تصدير ثورتها فاشتعلت حرب الثماني سنوات بينها وبين العراق؛ تم إضعاف كل القوى العربية في الإقليم، وتزايدت وتيرة الحرب الباردة لإحكام القبضة على الإقليم الأكثر توترًا في العالم؛ بينما بدأ السباق المحموم بين تركيا وإيران على السيطرة؛ في المنافسة الاستراتيجية بينهما كل الوسائل مباحة الدين؛ دعم المقاومة؛ المعونات، وبالتأكيد التقارب مع الصهاينة خلف الكواليس.

 

  • ثانيا: إسرائيل ليست العدو دائما
  • إيران.. تطبيع المصالح

إيران كان لها السبق في الاعتراف بالكيان الصهيوني سنة 1948 وسرعان ما ألغى مصدق هذا الاعتراف بعد سيطرته على مقاليد الأمور؛ وبعد أن أطاح الشاه بحكومة مصدق أخذت العلاقة في التحسن حيث بدأت بدعم نفطي أثناء العدوان الثلاقي ضد مصر؛ ثم تجديد الاعتراف سنة 1960؛ بعد ذلك كانت كانت زيارة رئيس وزراء الكيان الصهيوني ليفي أشكول إلى طهران في يونيو 1966 والتي شهدت تجديد دعم الشاه للصهاينة؛ وفي بداية عام 1967 كان لدى الكيان الصهيوني مخزونا من النفط الإيراني يكفي احتياجاته لمدة ثلاثة أشهر؛ ولم ينقطع تدفق النفط الإيراني عنه حتى رحيل الرئيس عبد الناصر، وفي عهد السادات لم يحيد الشاه عن مساره بالتبعية الكاملة للولايات المتحدة الأمريكية.

قامت الثورة المذهبية عام 1979 وللوهلة الأولى قد يظن البعض أن ما حدث صوريا بإلغاء الاعتراف وإغلاق السفارة الصهيونية في طهران قطع كل الطرق؛ لكن الحقيقة أن الكيان الصهيوني كان يمد طهران بالأسلحة أثناء حربها ضد بغداد؛ فكانت صفقة إيران كونترا والتي لعب فيها حسن روحاني- الرئيس الحالي- أحد كبار مستشاري السياسة الخارجية للحكومة الإيرانية؛ دورا محوريا عندما التقى وفدا رسميا أمريكيا في هيلتون طهران 27 مايو 1986، وهو ما ورد في تقرير لـ”فورين بوليسي” بتاريخ 26 سبتمبر 2013، لتبدأ الجمهورية الإسلامية علاقة خاصة وسرية مع أميركا وإسرائيل بدايتها التعاون أثناء الحرب الإيرانية- العراقية، بعد ذلك في عام 1981 قصف الطيران الصهيوني المفاعل النووي العراقي بعد أن اتحد الهدف مع إيران بأن لا تمتلك دولة عربية أي تكنولوجيا نووية من شأنها أن تجعلها متفوقة؛ ووصلت مشتريات إيران من السلاح الإسرائيلي في الحرب ضد العراق نسبة 80%؛ وهو ما أكدته حادثة في  18 يوليو1981 عندما أسقطت وسائل الدفاع السوفيتية طائرة أرجنتينية تابعة لشركة أروريو بلنتس وهي واحدة من سلسلة طائرات كانت تنتقل الأسلحة بين إيران وإسرائيل محملة بأنواع السلاح و قطع الغيار بعد أن ضلت طريقها ودخلت الأجواء السوفيتية.

وقد اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون في مايو 1982، في مقابلة مع قناة “إن بي سي” الأميركية، بصفقات الأسلحة التي تمت مع إيران، وقال حينها: “مبيعات الأسلحة لإيران تترك لنا نافذة مفتوحة لإمكانية إقامة علاقات ودية معها في المستقبل”، ‏كما قال في مذكراته (ص583 و 584): “شخصيا طلبت توثيق الروابط مع الشيعة والدروز، حتى أنني اقترحت إعطاء قسم من الأسلحة التي منحتها إسرائيل ولو كبادرة رمزية إلى الشيعة لم أر ‏يوما فيهم أعداء لإسرائيل على المدى البعيد”، وهنا يتضح لنا النهج الذي كان يتخذه آرييل شارون وشيمون بيريز والكثير من الإسرائيليين؛ على أساس نظرية “”Periphery doctrine التي وضعها “بن جورين” و”إلياهو ساسون”؛ وتستند هذه النظرية على إقامة علاقات قوية واستراتيجية مع البلدان غير العربية التي تحيط بالعرب لموازنة القوى لصالح إسرائيل وتقليص التهديد العربي.

انتهت الحرب ضد العراق لكن لم ينتهي التعاون بين إيران والكيان الصهيوني؛ فكانت هناك محطات معينة لإبرام صفقات تجارية أو عسكرية أو أخرى متعلقة بالتكنولوجيا النووية عن طريق مهندسين إسرائيليين في شركة “أفريكان إسرائيل”؛ وقد نقل تقرير بعنوان “محور المصالح الإسرائيلي الإيراني الأميركي” أن إيران اشترت أجهزة إنذار وحماية عام 2006 من منتجات شركة “سونار” الإسرائيلية أثناء تواجدها في معرض صيني، أيضا أثيرت ضجة واسعة حين استخدمت الشرطة والحرس الثوريين أجهزة تنصت إسرائيلية الصنع، لقمع مظاهرات حركة الخضراء عام 2009؛ وهناك تقارير أخرى تتحدث عن تأمين سيارة الرئيس الإيراني بأجهزة إسرائيلية.

الكيان الصهيوني لم يتردد لحظة في قصف المفاعل النووي العراقي؛ ولن يتردد في مثل هذا العمل في أي مكان وزمان إذا استشعر خطرا على أمنه؛ ولكننا وعلى مدار أكثر من 10 سنوات نشاهد ونقرأ تصريحات دعائية عن خطورة البرنامج النووي الإيراني وضرورة أن يتدخل العالم لوقف هذا الخطر الداهم على البشرية؛ لم نعهد هؤلاء الصهاينة ينتظرون إذنا من أحد في أي أمر متعلق بأمنهم، ولكن الحقيقة أن كل هذه التصريحات والشعارات الحماسية ما هي إلا غطاء سريا للصفقات السرية والتعاون الوثيق مع إيران خلف الكواليس؛ فإن كانت إيران مختلفة ثقافيا وسياسيا ودينيا فالحال مشابه مع الصهاينة، فكما أن طهران محاطة ببحر من السنة فالصهاينة محاطون ببحر من العرب أي أن عدوهما مشترك وهو العربي السني؛ فمن أين يأتي العداء بينهما؟.

 

ب – تركيا.. أجندة مشتركة

لحقت تركيا بإيران في الاعتراف بالكيان الصهيوني بعد عام واحد فقط؛ وفي 1949 اعترفت أنقرة بالكيان الخبيث وسارعت لتوطيد العلاقات معه وشهدت فترة الخمسينات تقاربا قويا كان سببه مصر عبد الناصر التي بدأت في السيطرة الاستراتيجية على المنطقة؛ أيضا لم تتأخر تركيا عن الانضمام لحلف بغداد عندما كان الحكم في العراق مواليا لبريطانيا 1955، وسرعان ما انهار لاحقا في عام 1958، وفي نفس العام كان عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا الأسبق هو الذي وقع ميثاق مع الصهاينة بقيادة ديفيد بن جوريون “حلف الشبح” وهو اسم الاتفاق السري الذي ظل طي الكتمان عقودا من الزمن، وتضمن تعاونا عسكريا واستخباريا ودبلوماسيا، وكانت وظيفته الأساسية موجهة ضد مصر والعرب؛ وللمفارقة فإن هناك عربا يتشدقون بأن الـ”مندريس” أعاد الأذان باللغة العربية في تركيا!.

وكما جرت العادة في بلد الانقلابات؛ شنق مندريس لكن التعاون مع الصهاينة لم ينقطع فاعترف الكيان الصهيوني بالجنرال جورسيل وكانت اللقاءات الاستخباراتية تتم مرتين سنويا؛ وبعد الحرب التركية- اليونانية بدأت الازدواجية وتقارب الأتراك مع العرب بعد أن خذلتهم أمريكا وبريطانيا في الحرب لكنهم ظلوا متعاونون عسكريا مع الصهاينة سرًا وهو ما أكده حيادهم في حربي 1967 و 1973، بعد ذلك اعترفوا بمنظمة التحرير الفلسطينية سنة 1975، ومنذ هذا العام كان الاحتياج التركي للبترول دافعا قويا للوقوف بجانب العرب في محطات محدودة؛ لكن كان التعاون مع الصهاينة على أشده وهو ما ظهر على السطح دون مواربة سنة 1996 وأصبحت الشراكة الاستراتيجية علنية وكعادة العسكر التركي في الوقاحة وقع رئيس الأركان الجنرال شفيق بير الاتفاقية مع الصهاينة؛ في مقابل ذلك كانت المكافأة الصهيونية لأنقرة بأن ساعد الصهاينة الأتراك في القبض على عبد الله أوجلان سنة 1998، إلى أن قصف الطيران الصهيوني مخيم جنين سنة 2002 فكانت الإدانة التركية ضد ما فعله الكيان الصهيوني؛ لكن هذا لم يمنع أنقرة من تحديث 170 طائرة ودبابة تركية من قبل الصناعات الإسرائيلية.

صعد حزب العدالة و التنمية سنة 2002 للحكم في تركيا؛ وكان مهندس السياسية الخارجية التركية أحمد داوود أوغلو يسعى لتطبيق العثمانية الجديدة خاصة وأنه يرى أن انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب العراق 1991 غيرا العالم؛ فكان يمني نفسه بنسج علاقات جديدة مع العرب، توقع المراقبون تأزم العلاقات مع إسرائيل لكن”لعنة التاريخ” كانت أقوى، بما فيها اتفاقات في ظل نجم الدين أربكان، فظلت تركيا على حالها انتقادات رمزية ضد السياسات الصهيونية،هجوم على لبنان سنة 2006؛ وغزة سنة 2008 ؛ 2009؛ لم تتوقف العلاقات العسكرية بينهما، واستمر الحال إلى أن جاء حدث سفينة مرمرة.

رجب طيب أردوغان عندما كان رئيسا للوزراء صعّد الخطاب العدائي ضد الصهاينة وبات مرحبا به في العواصم العربية لأنه يقول ما يطرب العرب وينتقد إسرائيل والصهيونية ويعتبرها جريمة بحق الإنسانية؛ فناقش الكنيست مشروع قرار يعترف بالإبادة ضد الأرمن بعد أن ساعد الصهاينة تركيا في تعطيل أي اعتراف بمذابح العثمانيين منذ الخمسينات؛ وهي المذابح التي راح ضحيتها أكثر من مليون شخص أرميني في إبادة وحشية على يد القوات التركية سنة 1915؛ وكانت تلك الخطوة ركيزة أساسية في تطوير العلاقات بينهما؛ لكن بعد أن تفاقمت أزمة مافي مرمرة تدخل الرئيس الأمريكي أوباما ووزير خارجيته جون كيري لإنهاء الخلاف بين الحليفين؛ فكان أردوغان يشترط اعتذارا رسميا ودفع تعويضات للضحايا ورفع الحصار عن غزة؛ فقدم الكيان الصهيوني اعتذارا حتى لا يخسر عوائد العقود التي وقعها مع الأتراك في المجالات كافة؛ كما دفع تعويضات؛ لكن غزة بقيت على حالها، فعادت العلاقات أكثر دفئا من جديد وهذا ما صرح به أردوغان نفسه أثناء حواره مع الصحفي المصري فهمي هويدي؛ وأكدته أيضا مجلة إيكونوميست في 30 مارس 2013 مشيرة إلى أن التبادل التجاري بينهما وصل إلى ثلاثة مليارات دولار سنويا؛ وما خفي كان أعظم.

  • ثالثا: اختراق الصف العربي.. آليات التوغل وتضارب المصالح

 سنحاول فى هذا التبويب استعراض  مدي التطابق فى اليات التوغل لايران وتركيا فى الشرق الاوسط بشكل عام ومحاولة اختراق الهوية والشخصية المصرية بشكل خاص ,

  • إيران
  • المقاومة وسيلة للنفوذ ..تلك هي القضية الفلسطينية.

منذ اللحظات الأولى لنشوب الثورة المذهبية صاحت طهران بالقدس والقضية الفلسطينية وصارت تطلق المسميات على كل ما يتعلق بالنضان الفلسطيني ضد الصهاينة، ومنحت مقر السفارة الإسرائيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ وبهذا ابتلع ياسر عرفات الطعم وصار يتغنى بدعم طهران للمقاومة الفلسطينية؛ لم يكن أبو عمار الذي زار إيران مهنئا بثورتها يعلم أنه سيكون جسرا تعبر منه طهران لاختراق الأمن القومي العربي؛ وهو ما ثبت بعد ذلك عندما بدأت إيران في استخدام عناصر من فتح تحت إشراف أنيس النقاش القيادي في الحركة لتدريب قوات حزب الله في لبنان وكان منهم عماد مغنية؛ وبعد أن فطن الفلسطينيون لنوايا إيران خاصة وأنها لم تحرك ساكنا لنجدة عرفات المحاصر في بيروت عام 1982، بل ذهبت ميليشيات شيعية بعد ذلك تابعة لحركة أمل التي بايعت الخميني لارتكاب مجازر في المخيمات الفلسطينية، وجدت طهران أن حركة حماس الناشئة أكثر برجماتية من فتح فكان التقارب الذي بدأ بمشاركة خليل القوقا القيادي بحماس في المؤتمر الأول لدعم الانتفاضة الفلسطينية في طهران عام 1990؛ ولم ينتهي التقارب حتى الآن.

  • المذهبية تحكم ..التآمر على العراق

كان العراق من أكثر الدول العربية دعما للمقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني؛ كما أنه لم يبادر بالعداء ضد إيران لكنه كان حصنا منيعا ضد توغل طهران وتصدير ثورتها؛ فكانت الحرب ضده وبعد مرور أكثر من عام كانت المفاجئة التي أربكت الخوميني وهي أن نصف المقاتلين العراقيين على الجبهات المختلفة من الشيعة؛ وهو ما أكد اختلاف شيعة العرب عن نظرائهم في إيران، وكانت مرجعية النجف أقوى بكثير من مرجعية قم حديثة العهد؛ استرجع الخوميني ذكريات فشله عندما حاول في الستينات إقناع المرجع الأكبر آية الله العظمى محسن الحكيم بتبني ثورة مذهبية في العراق؛ فلم يكن أمامه إلا التحالف مع الصهاينة والولايات المتحدة لتحقيق هدف واحد وهو إخراج العراق من المعادلة الاستراتيجية في المنقطة وإضعافه عسكريا ومن ثم السيطرة على شيعته؛ وهذا ما حدث بعد حرب الثماني سنوات 1980- 1988.

النظام الإيراني بعد ثورة 1979  سعى لتصدير أيدولوجيته إلى الخارج يعتمد على نقاط الضعف عند العرب؛ فتأسس “حزب المضطهدين” ليقدم المعونات المالية الإيرانية والدعم السياسي للمنشقين الشيعة بالخارج؛ كان الخوميني يمني نفسه بابتلاع الكويت والبحرين لكن الإعلان عن مجلس التعاون الخليجي في 1981 قطع الطريق عليه؛ فلم يكن أمامه إلا تشجيع الشيعة في هاتين البلدين على تنظيم الاحتجاجات وإثارة الاضطرابات، وحاولت طهران التواصل مع شيعة السعودية لكنهم كانوا حذرين جدا في تنفيذ ما تريده، فتسللت غربا بحثا عن مناطق متوترة لتحقيق أهدافها، فكان حزب الله في لبنان أول الغيث، ليكون قاعدة أساسية لا ينقصها سوى الاتصال الجغرافي وهو ما تحقق في 2003 بعد انهيار حزب البعث والغزو الأمريكي لتبسط طهران نفوذها بشكل أكبر على بلاد الرافدين لكنه لم يكن ذلك الدور المنافس للوجود الأمريكي في المنطقة والخليج.

  • ما بعد 2011

حملت عاصفة التحول السياسي العربي 2011 أخبارا جيدة لطهران وهو ما دفعها لتبني سياسة أكثر تشددا تجاه البلدان التي تضم بداخلها أقليات شيعية وهو بالفعل ما حدث في البحرين لكن تدخلت قوات درع الجزيرة وأنهت الاضطرابات؛ كذلك في شرق السعودية فأنهت المملكة الأمر؛ أما سوريا فكانت حلما لأنها أهم جزء في منظومة الأمن القومي المصري أيضا سعت تركيا للسيطرة عليها؛ فبادرت إيران للوقوف مع الجيش العربي السوري وقدم الحرس الثوري مساعدات جوهرية ومساندة قوية؛ ليس حبا في شعب سوريا ولكن لأنها ستحقق أكبر قدر من المكاسب؛ وأهمها على الإطلاق الوصول لمناطق تمكنها من إبرام صفقات دولية من موقع قوي مثل زيارة قاسم سليماني لهضبة الجولان المحتلة، واشتراك قوات إيرانية مع الجيش العربي السوري في طرد جبهة النصرة من “بيت جن”، آخر جيب على الحدود الإسرائيلية واللبنانية؛ التي أدت إلى هدوء الأصوات التي طالبت بإلغاء الإتفاق النووي مع إيران؛ كذلك بات الطريق معبدا لوصول أي دعم من طهران إلى حزب الله، أيضا طوقت إيران السعودية بتقديم دعم لا محدود للحوثيين في اليمن؛ ولعل الصواريخ التي أطلقت على المملكة خير دليل، ولا يزال الشعب اليمني يعاني حتى الآن.

  • تهديد العمق المصري ..التوغل في إفريقيا

كانت إيران الشاه تابعة لأمريكا ووكيلا لها؛ وبناء عليه تحددت العلاقات مع الدول الإفريقية بأطر معينة، لكن بعد ثورة 1979 ابتعدت طهران عن القارة السمراء لسنوات بعدها كانت تبحث عن موطئ قدم من جديد في إفريقيا، فقدمت الظروف هدية سرعان ما اقتنصتها طهران حيث كان النظام الجديد في السودان يعاني؛ دول الخليج مشغولة بآثار حرب الخليج الأولى، حالة من الفراغ السياسي المغري؛ فشهد عام 1991 زيارة هاشمي رفسنجاني للسودان واعتبار الخرطوم مفتاح إيران لإفريقيا العربية والإفريقية، وفي 1996 تكررت زيارته لإفريقيا وذهب إلى (كينيا، أوغندا، تنزانيا، زيمبابوي وجنوب إفريقيا)، وبعد تولي محمد خاتمي رئاسة إيران كانت محطات زيارتيه لإفريقيا شاملة لكل من (الجزائر والسودان) في 2004 و(نيجيريا، السنغال، سيراليون، مالي، بنين، زيمبابوي وأوغندا) في 2005، ومع وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة كانت إفريقيا في قائمة أولويات السياسة الخارجية الإيرانية؛ فتأسست منظمة التعاون والتجارة مع الدول الإفريقية ثم عقدت مؤتمرات اقتصادية عامي 2007 و2008؛ وفي 2009 زار نجاد (جزر القمر، جيبوتي وكينيا)؛ بعدها زار (السنغال وزامبيا)، وفي سنة 2010 زار (زيمبابوي وأوغندا)، ثم حضر قمة مجموعة الدول النامية الثماني لسنة 2010.

مما سبق نستنج أن التوغل الإيراني في إفريقيا قائم على خلاصة الخبرة الإسرائيلية التي اعتمدت على الترغيب والمساعدات ودعم قطاعات مختلفة كالطاقة والزراعة؛ فإيران لم تكن لتهدأ خاصة مع المنافسة الرهيبة على القارة السمراء بين الصين، الهند، تركيا، الكيان الصهيوني، وقوى الاحتلال القديم التي رحلت قبل نصف قرن، بالإضافة إلى تحقيق مآرب تزيد من نفوذها بنشر التشيع أو التقارب مع جيبوتي لتقديم الدعم للحوثيين أو السيطرة على باب المندب، وللأسف كل هذا يتم في غياب عربي تام.

  • الفاطميون الجدد.. محاولات اختراق الهوية المصرية

بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ازدادت المحاولات الإيرانية للتمدد الطائفي داخل مصر ونشر التشيع واستقطاب رموز المجتمع المصري الدينية تحديدا؛ فبدأت بالأزهر الذي تريد إعادته شيعيا كما بدأ؛ وهو ما ظهر سريعا عندما جاهر بعض الأزهريين علانية بانتقاد معاوية بن أبي سفيان بحدة فما كان من شيخه إلا أن تصدى بكل قوة لهذه المحاولات وقدم برنامجا وضح فيه خطورة التشيع،  لكن المحاولات لم تتوقف فتسللت إيران بين أتباع الطرق الصوفية الذين يهيمون شوقا لآل بيت رسول الله؛ والهدف من ذلك هو استقطاب الشباب المصري دون أن يدري، كما أن هناك عددا من مؤسسات المجتمع المدني؛ والصحف الممولة بسخاء من قبل حكومة طهران لتنفيذ خططها المسمومة في قلب القاهرة، الإيرانيون لا يريدون أن يخرج من مصر “عبد الناصر” جديد فهم يخشون أن يظهر من يعيد القومية العربية ويسحق الأحلام الفارسية، ورغم تخوف إيران من ذلك إلا أن أغلب الشيعة في المنطقة العربية يرفعون لواء ناصر ويقولون أنه كان صوت المستضعفين؛ ولكن هل لا يخشون أن يظهر ناصر جديد يكون صوت القوة في وجة محاولات اختراق هوية مصر وقوميتها؟، لكن الحقيقة هي أن الصفوية أو الفارسية أو الثورة الشيعية كلها مسميات مختلفة لنفس الأفكار وإن اختلفت الدوافع؛ والتاريخ أثبت ذلك.

  • تركيا
  • التسويق للخلافة.. بالقضية الفلسطينية

قبل صعود حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم في أنقرة كان أحمد داوود أوغلو يعكف على تخطيط السياسة الخارجية التركية في محاولة منه لإحياء العثمانية من مرقدها، خاصة بعد تقزم التأثير التركي في الإقليم بفعل كثرة إنقلابات عسكرها على الحكومات المتعاقبة، كان أوغلو يرى أن تركيا قوة إقليمية يجب أن تتبوأ مكانتها الطبيعية؛ فلم تكن هناك فرصة أفضل من الانتفاضة الفلسطينية 2000 والقصف الوحشي لمخيم جنين 2002 والتي سرعان ما التقطتها حزب أوغلو بعد أن وصل إلى الحكم بخبث شديد ليبدأوا رحلة خداع العرب وتنفيذ استراتيجيتهم، فعلى مدار 15 عاما لم تشهد المنطقة حزبا سياسيا راقصا ومتلونا مثل حزب العدالة والتنمية.

كثيرا ما صدعنا الأتراك بأنهم داعمون أقويا للحق العربي؛ وحاولوا مرارا إثبات أنهم فرسان القضية الفلسطينية؛ لكن التاريخ والحقائق ينفيان ذلك تماما؛ فعندما كان نجم الدين أربكان الذي يفخر قادة حزب العدالة والتنمية أنهم تلاميذه؛ على سدة الحكم في تركيا لم يلغ أو يوقف حتى الاتفاقيات المبرمة مع الصهاينة بل إن العلاقات التجارية والعسكرية بين الكيان الصهيوني وتركيا في عهده كانت قوية، وكانت هناك أيضا مناورات عسكرية مع الصهاينة، وأتاحت تركيا مجالها الجوي لتدريب الطيارين الإسرائيليين، كما أمد الكيان الصهيوني تركيا بالطائرات الحربية المصنعة في إسرائيل برخصة من الولايات المتحدة الأمريكية، أي أننا باختصار أمام عدنان مندريس التسعينات؛ وإن كنا ذكرنا أن إيران ادعت دعم المقاومة فهي على الأقل قدمت المال والسلاح لخدمة مصالحها الخبيثة؛ لكن تركيا لم يحدث أبداً أن دعمت المقاومة الفلسطينية سواء بالمال أو السلاح أو التدريب.

  • إقصاء العراق.. النفط أولا

كما إيران كانت تركيا أيضا تخشى العراق؛ لذلك لم تتخذ موقفا مساندا لبغداد في حربها ضد طهران بل اكتفت بالحياد كي تحصل على احتياجاتها من البترول العراقي والإيراني على السواء، وبعد انتهاء حرب الخليج 1991 كانت الطائرات البريطانية والأمريكية تحلق في دوريات فوق شمال العراق انطلاقا من قاعدة أنجرليك التركية، وبعد 11 عاما كانت حكومة بولنت أجاويد تعقد صفقة مع وزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين كولن باول ودونالد رامسفيلد بشأن استخدام الأراضي التركية لغزو العراق؛ وما أن تصدر حزب العدالة والتنمية المشهد السياسي وأخذ ضمانات من الولايات المتحدة بعدم السماح بقيام دولة كردية بعد دخول العراق؛ صوت البرلمان التركي ذو الأغلبية الأردوغانية في 19 مارس 2003 بالأغلبية لصالح فتح المجال الجوي التركي لأمريكا شاملا تزويد الطائرات بالوقود وإعادة الإمداد؛ هذا بالإضافة إلى السماح للمدرعات الأمريكية بدخول العراق من الأراضي التركية.

اعتمدت السياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية على الاستعراض ودغدغة المشاعر؛ جنبا إلى جنب مع القوة الناعمة في اختراق العالم العربي تمهيدا للسيطرة الاستراتيجية؛ واستطاعت تركيا تحقيق ذلك بالدراما التي تطرقت إلى نقاط الخلل في الأسرة العربية مثل الحب؛ والعلاقات المحرمة وغيرها، أيضا إطلاق قنوات ناطقة بالعربية وإنشاء وكالة أنباء الأناضول وتمويل مشروعات إعلامية في عدد من البلدان العربية‘ واكتسبت تركيا وزنا إقليميا لأنها بالأساس منفذة للأوامر الأمريكية وما يخدم مصالح واشنطن وحلفائها، أيضا تعتبر أنقرة مطيعة لأوامر بريطانيا التي أخرجها الرئيس جمال عبد الناصر من المنطقة في 1956، فكان ميناء الإسكندرونة أنسب قاعدة تعيد لندن إلى المنطقة تحت غطاء حلف الناتو.

  • ما بعد 2011

بزغ نجم أردوغان عربيا عندما قام باستعراض أمام الشاشات بتوجيه انتقادات حادة لشيمون بيزيز في منتدى دافوس؛ وبعدها عندما أعلن عن دعمه لكسر حصار غزة بسفينة مافي مرمرة؛ فصارت شجاعته الكاذبة مثار إعجاب للشعوب العربية التي كانت تعاني من طأة القمع والسكون التام فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ لكن ما لا يعرفه هؤلاء أن أردوغان لم يوقف التعاون العسكري والاستخباراتي مع الصهاينة حتى بعد التخفيض الدبلوماسي؛ ثم أتت عاصفة التغيير السياسي العربي فشعر الأتراك أن المنطقة باتت مسرحا مفتوحا لفقراتهم الدبلوماسية الاستعراضية؛ وفي حقيقة الأمر أنهم كانوا مشتركين في العدوان على الشعب السوري ومتورطون في سرقة أعضاء أكثر من 60 ألف سوري بالإضافة إلى تحول تركيا إلى ترانزيت لإرهابيي العالم الذي ذهبوا إلى سوريا للقتال ضد الجيش العربي السوري، ولا يخفى على أحد التلون التركي مع إيران، روسيا والولايات المتحدة خاصة في الأزمة السورية، أيضا ليبيا التي ساعدت تركيا في حربها ضد اليونان سنة 1974 لم تسلم من نيران الغدر بل شارك الأتراك في قصفها وتحويلها إلى قبلة للإرهاب.

  • تهديد العمق المصري.. التوغل التركي في إفريقيا

يعتبر داوود أوغلو بلدان شمال إفريقيا ساحة جيوسياسية بالغة الأهمية وهذا ما يفسر لنا سر الاهتمام البالغ من أنقرة بإفريقيا ودولها؛ فهي تسعى لفك العزلة الأوروبية وخلق مجال حيوي سياسيا واقتصادي، فكان عام 2005 البداية حيث أطلقت حكومة أنقرة عليه “سنة إفريقيا” لتبدأ الزيارات المكوكية بإثيوبيا ثم جنوب إفريقيا والتي كانت في ظل تنافس محموم مع إيران التي كان رئيسها في نفس التوقيت يجوب عددا من بلدان القارة السمراء، ثم خصصت 50 مليون دولار لتمويل مشروعات تنموية في دول إفريقية الفترة بين 2008 و 2013، ونذكر أنفسنا بالظروف الاقتصادية القاسية التي مر بها الصومال الشقيق وذهب إلى هناك الساسة الأتراك وبكوا أمام عدسات الكاميرات وقدموا دعما ومساعدات كبيرة؛ لكن الحقيقة أن ما فعلوه كان بالأساس تمهيدا لقاعدتهم العسكرية هناك؛ لم يكتفوا بذلك بل سعوا لتطويق مصر وهذا ما تجلى في الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس التركي أردوغان للسودان، تشاد وتونس، وحصوله على جزيرة سواكن لإقامة قاعدة عسكرية هناك أيضا، وهذه المرة يحدث هذا في ظل غياب وتآمر عربي.

ومما سبق يتجلى لنا أنا تركيا لا تدعم الحق العربي ولم تكن يوما مدافعة عنه، بل هي دولة تسعى للسيطرة على الإقليم ونزع خيرات بلدانه مثلما فعلوا قبل 5 قرون، فأنقرة تحاول إحياء العثمانية من خلال توظيف القوة الناعمة والاستعراض أمام الكاميرات، فقط يكفي ما قاله أستاذهم نجم الدين أربكان في مقابلته مع صحيفة توداي زمان المقربة من الحزب الحاكم عن تلميذيه “أردوغان” و”عبد الله جول” بأنهما أداة بيد المؤامرة الصهيونية؛ للتأكيد على زيف ادعاءاتهما، وخبث مساعيهما.

  • الخلافة المزعومة.. توظيف الفن والجماعات الإرهابية لاختراق شخصية مصر

تركيا استطاعت أن تروج لنفسها سياحيا بشكل جيد عن طريق الدراما التليفزيونية التي كانت واحدة من أهم أدواتها لغزو الوجدان العربي عامة والمصري بصفة خاصة؛ وبدأتها التي بدأت بـ”إكليل الورد” 2004 نهاية بـ”قيامة أرطغرل” فتأثر المشاهد المصري وانعكست الدراما التركية على حياته اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا؛ ووجد أغلب أفراد الأسرة ضالتهم في هذه المسلسلات،  وعلى الصعيد الشعبي كان مشهد مؤتمر دافوس صادما للمصريين بعد انتقادات أردوغان لشيمون بيريز في ظل الغياب العربي؛ فلجأ الإخوان إلى تلميع خليفتهم واختلاق بطولة كاذبة، ثم تطورت الأوضاع بعد يناير 2011 وبات الأتراك يدعمون جماعة الإخوان بكل قوة حتى وصل المعزول مرسي إلى قصر الاتحادية فانهالت قروض ومنح بمليارات الدولارات على مصر من تركيا وحليفتها قطر؛ وما أن لفظ الشعب هذه الجماعة الإرهابية حتى انقلبت تركيا وتتبنى شن هجوم ضار على مصر؛ وهنا ظهرت النوايا الحقيقية للتقارب التركي مع نظام الإخوان؛ ورغبة أنقرة في وجود نظام تابع لها في القاهرة؛ إن العثمانيون الجدد يرتعدون من قدوم “محمد علي” فهم لم ينسوا جيش مصر الذي وقف على أبواب عاصمتهم ولولا أن تآمر الباب العالي مع أوروبا لكانت تركيا اليوم أرضا مصرية؛ وما كان الاستعمار الأوروبي ليطأ موضع قدم في منطقتنا العربية، فانبطح السلطان لأعداءه الأوروبيين كي يحافظ على عرش خلافته المزعومة.

 الخاتمة:

لو كانت إيران تريد الخير للعرب وتدعم المقاومة حقا فأخبرونا لماذا رفع أحمدي نجاد علامة النصر عندما زار مسجد الحسين في القاهرة إبان حكم المعزول محمد مرسي؟؛ ولو كانت تركيا تسعى لنهضة البلدان العربية فلماذا أطلق أردوغان 72 تصريحا حنجوريًا في أزمة القدس الأخيرة وعقد مؤتمرًا صوريا ولم يتحرك في الأمم المتحدة أو يقطع العلاقات مع الصهاينة؟.. السياسة لا تعرف المشاعر لكن التآمر أقوى أدواتها؛ لم تخل المشاريع الإيرانية في اختراقها لإفريقيا وتأليب الأقليات الشيعية في البلدان العربية من الجانب الديني، بل هو الجوهر الذي تعتمد عليه لتصدير ولاية الفقيه، أما تركيا فاستطاعت أن تكسب ود الملايين باستعراضات كاذبة عن اهتمامها بقضايا المسلمين ودعمها للمستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها.

جل غاية تركيا أن تكون مصر خاضعة لنفوذهم وهو الأمر الذي لن يحدث؛ كذلك إيران.. هناك صراع صفوي عثماني على المنطقة؛ فالصراع الذي بدأ بين شمس العلم الشيعي وهلال العلم التركي لم ينتهي بعد؛ تتضارب المصالح لكن تجمعهم نقاط عدة منها العلاقات القوية مع الكيان الصهيوني وإضعاف مصر؛ تتنوع آلياتهم في اختراق الأمن القومي العربي، والكارثة أن البلدان العربية تشهد تأييدا من بعض مواطنيها للدولتين اللتين تستخدمان الدين كأداة حساسة وخطيرة للسيطرة على الشرق الأوسط، يجب أن يعي المواطن العربي أن المحرك الأساسي للأحداث يكمن في ‏المصالح المشتركة والتنافس الإقليمي والجيوستراتيجي وليس الأيديولوجيات، أما الشعارات والنعرات الدينية لها استهلاك شعبوي، ويكفي أن نقول إذا كانت مرجعية إيران لمرشد من وحي هيكل تنظيم جماعة الإخوان الإرهابية؛ فتركيا أيضا لها نفس المرجعية وأفكار التنظيم وإن اختلف المذهب، لكن مستقبل مصر حتما سينهي ذلك.

ختاما.. الإمبراطورية الفارسية تسعى للعودة بعمامة سوداء؛ والعثمانية الجديدة تريد الخلافة، يريدون الوصاية على المسلمين وليس الدفاع عنهم، لكن طهران لن تستطيع وبذرة سقوط ولاية الفقيه تم غرسها؛ وتركيا كذلك اهتز عرش سلطانها بانقلاب عسكرها عليه كعادتهم، يجب على صناع القرار في مصر أن يسعوا بجد لاستعادة مكانة مصر الطبيعية؛ سيادة وريادة الإقليم ولنا في تجربة عبد الناصر تذكرة؛ ويجب أن ننتبه جيدا لمن يختبئون في سراديب الخيانة من مؤيدي إيران وتركيا؛ وإن كانت مصر بعد حرب أكتوبر 1973 انزوت باتفاقية السلام فإن الاستعداد للحرب وإعادة استخدام قوتها الناعمة أول خطوات نحو دورها الطبيعي.

 

 

المراجع

إيمانويل كاراجيانيس.. صعود إيران كقوة إقليمية: تمكين الشيعة وحدود هذا الأمر.. مجلة الناتو.. 2016

https://goo.gl/pbtbuj

صلاح حميدة.. جدلية العلاقة بين إيران والمقاومة الفلسطينية.. المركز الفلسطيني للإعلام.. 6 فبراير 2009

https://goo.gl/C1ShMZ

فاطمة الصمادي.. إيران والمقاومة الفلسطينية.. المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية.. 17 يناير 2011

https://goo.gl/siaYYz

هنري ج باركي.. تركيا والعراق.. أخطار وإمكانيات الجوار.. معهد السلام الأمريكي.. يوليو 2005

https://goo.gl/dNsn8d

آرنست خوري.. أربكان «ينتقم» من أردوغان وغول: أداة بيد المؤامرة الصهيونيّة.. الأخبار.. 7 ديسمبر 2010

https://goo.gl/KhzePa

محمود عرفات.. تركيا و غزو العراق 2003 عن بعض الأوهام الإردوغانية.. شباب الشرق الأوسط.. 30 أبريل 2012

https://goo.gl/7nMqSL

بوزيدي يحيى.. السياسة الإيرانية والسياسة التركية تجاه إفريقيا.. دراسة مقارنة.. قراءات إفريقية.. 19 مايو 2016

https://goo.gl/WnsrE1

منير الماوري.. وثائق “سي آي إيه” الحلقة 1.. الشرق الأوسط.. 4 فبراير 2017

https://goo.gl/y2twnc

منير الماوري.. وثائق “سي آي إيه” الحلقة 2.. الشرق الأوسط.. 5 فبراير 2017

https://goo.gl/Pi9md9

محمد المذحجي.. علاقات إيران المشبوهة بإسرائيل: تطبيع خفي وصراع معلن.. العرب.. 14 يوليو 2014

https://goo.gl/C4sCqt

كفاح زبون.. إيران والقضية الفلسطينية.. الوعود المعسولة.. الشرق الأوسط.. 10 أكتوبر 2016

https://goo.gl/JX3qmU

عن الكاتب