نحو التنمية (3): ماليزيا استراتيجية العزل والاعتماد

Avatar
أحمد كامل

نظرة تاريخية:

عانت جزر المالايو التي عرفت مؤخرا بماليزيا من ويلات الاستعمار لقرون عدة، فمنذ القرن السابع الميلادي حتى القرن الرابع عشر تقريبا احتلتها دولة سيريفيجايا ذات الصبغة الهندية حتى تفتت تلك الدولة إلى ممالك أصغر ثم احتلها البرتغاليون في أوائل القرن السادس عشر، ثم تمكن الهولنديون من انتزاع الحكم في جزر المالايو خلال منتصف القرن السابع عشر، ثم أخيرا سيطر عليها البريطانيون حتى أوائل القرن العشرين، وفي ظل هذا التاريخ الطويل من الاحتلال وانتهاك السيادة نُهب الكثير من ثروات تلك الدولة التي لم تكن تعرف حدودا مؤكده حتى عام 1963.

لم تسيطر بريطانيا فقط على جزر المالايو إنما سيطرت على بورنو الشمالية التي تضم ساراواك وصباح وسنغافورة، حيث أن تلك المناطق أصبحت أضلاع مربع الاستقلال الذي حدث في ماليزيا لاحقا، فعن طريق ذراعها الاقتصادي عبر شركة الهند الشرقية استطاعت بريطانيا احتكار موارد ماليزيا واستغلالها أفضل استغلال ممكن ولأجل استمرار سيادتها على تلك المناطق قامت بريطانيا بمحاولة لتغيير التركيبة السكانية في جزر الملايو حيث قامت بتشجيع الهجرة إليها بين أوساط الهنود والصينيون مع إغرائهم بامتيازات تجارية ومالية كبيرة، ومع الوقت امتلأت أسواق جزر الملايو بالعمالة الصينية والهندية، حتى صارت الغلبة لهم في كوالالمبور التي تعتبر أهم أقاليم جزر المالايو عبر تاريخها.

كان من مصلحة بريطانيا إحداث توتر سياسي وعرقي في جزر المالايو حتى ينشغل بعضهم ببعض وتكون هناك حاجة دائمة من الأطراف المتصارعة لقوة أكبر لتحكم بينهما في اختلافاتهما، وهذا لم يكن موجها لجزر المالايو بعينها ولكن كانت سياسة عامة تنتهجها بريطانيا في مستعمراتها، لا سيما وأن توحد شعوب المستعمرات ضدها يعني زوالها، وكأي أقلية في أي مكان بالعالم ازدادت علاقات الصينيين رسوخا و ترابطا وهو ما أدى لازدهار أعمالهم وتطورها خاصة أنهم كانوا تجارا على الأغلب في حين أن عرق المالاي الذي ينحدر منه السكان الأصليون كانوا مهتمين أكثر بالزراعة، وتدريجيا صار الصينيون أغنى من المالاي والهنود وتراكمت ثرواتهم وأمسكوا بمفاصل الاقتصاد الماليزي تقريبا.

استمر الوضع على ما هو عليه حتى احتلت اليابان ماليزيا أثناء الحرب العالمية الثانية ضمن حملتها للسيطرة على آسيا بالكامل خاصة منطقة جزر الهند، وقد كان وجود اليابان على أرض ماليزيا واستخدامها للعنف المفرط عزز داخل الشعب النزعة القومية وظلت الاحتكاكات تزيد والنيران تشتعل داخل النفوس حتى انفجر الوضع في 1946 واندلعت أعمال العنف العرقي بين الشعب الماليزي، وأعدم المالاي الشيوعيون الصينيين وكان لتفاوت الثروة الأثر الأكبر في تزكية تلك الأفعال حيث شعر عرق المالاي بالإقصاء وهم أهل البلاد الأصليين حيث كانت هناك صفقة متفق عليها وغير معلنة تنص على أن يهيمن الصينيون على المقدرات الاقتصادية للبلاد في مقابل أن يهيمن المالاي على المقدرات السياسية فيها مثل مقاليد الحكم والجيش والشرطة، وهذا زاد بالطبع من تهميش المالاي اقتصاديا مقابل الصينيين بدرجة كبيرة وبدرجة أقل مقابل الهنود، وبالطبع عادت الحياة إلى طبيعتها ولكن استمرت نار التعصب للقومية والعرقية هي المرض المزمن الذى عانت منه جزر المالايو حتى بعد استقلالها عام 1957 أو تأسيسها فعليا عام 1963.

على مدار تلك السنوات استمر الجدال السياسي و الفرقة المجتمعية فى الازدياد بين طوائف الشعب فتم تأسيس المنظمة الوطنية المتحدة للملايو عام 1946 برئاسة عون جعفر لحماية مصالح المالاي وفي المقابل أسس رجال الأعمال الصينيين عام 1949 حزب جمعية الصينيين الملاويين، وإن كان الحزب الصيني يعتبر حزبا معتدلا، إلا أن ذلك لم يسهم بشكل كافٍ في حل المشكلة العرقية بشكل كامل، وكان هناك تعارض مصالح واضح بشدة وكان يلزمه مشروعا ضخما يساهم في إذابة الجليد بين العرقيات المختلفة، حيث تمثل ذلك المشروع في تفاوض تنكو عبد الرحمن رئيس وزراء سلطنة قدح مع بريطانيا على توحيد أقاليم جزر المالايو وبورنيو الشمالية في دولة واحدة وهو ما حدث بالفعل.

لكن لم يدم ذلك الاتحاد كثيرا إذ ساهم تخوف بعض من ينتسبون للعرق الصيني من ضياع مصالحهم فقرروا الاستقلال بإقليم سنغافورة عام 1965 بعد أن كانوا يمثلون حوالي 40 % من التركيبة السكانية في ماليزيا، والانقسام هدفه كان اقتصادي بالدرجة الأولى وعرقي بالدرجة الثانية، ولايزال التعصب القومي والعرقي والتفاوت الاقتصادي هو المحرك الأساسي لأي أعمال شغب أو احتكاك بين أعراق ماليزيا واستمرار الوضع كان ينبئ بمشاكل أكبر مستقبلا، حيث في عام 1969 اندلعت أحد أكبر أعمال الشغب في ماليزيا أسفرت عن مقتل 143 صينيا مقابل 25 مالاي و سببها كان تذمر المالاي وخوفهم على مستقبلهم مع استمرار انحصار الثروة في يد الصينيين، وبعد تلك الفترة تولى تون عبد الرازق بن حسن رئاسة وزراء ماليزيا؛ وجاء ببرنامج جديد من شأنه إصلاح النسيج المجتمعي الماليزي.

لقد شعر تون عبد الرازق بخطورة الوضع ورأى أن عدم العدالة في توزيع الثروة والفرص الاستثمارية هي السبب الرئيسي في التوترات العرقية، فأطلق رؤيته

الاقتصادية الجديدة التي كانت قائمة على عدة أسس هي:

– زيادة نسبة سيطرة المالاي على وسائل الإنتاج من خلال إعادة التوزيع وهو ما رفع نسبة مساهمة المالاي في القطاع الصناعي و التجاري من 2 % إلى 30 %.

– إعادة توزيع فرص العمل بما يتناسب مع نسبة العرق السكانية وفي حالة المالاي فقد كانت نسبتهم 55 % من الشعب وكانت أغلبيتهم تمتهن الزراعة والحرف اليدوية ذات العائد الضئيل.

– القضاء على الفرق دون النظر للعرق وهو ما صب في النهاية في صالح المالاي حيث كانت نسبة الفقر في بداية تأسيس الدولة حوالي 71 % أي أن معظم الشعب كان يقع تحت خط الفقر.

– قدمت المساعدات المالية والمنح التعليمية داخل ماليزيا وخارجها ما ساهم في رفع نسبة المتعلمين تدريجيا.

– بجعل اللغة المالاوية هي اللغة القومية للبلاد واستخدامها في جميع مراحل التعليم مع ضمان حقوق الأعراق الأخرى في التعلم بلغتها الأم لكن تظل المالاوية هي اللغة الأم للدولة.

– كل ما سبق كان اللبنة الأولى في مشروع كبير تعاقب عليه رؤساء وزراء ماليزيا بالتتابع وجميعهم ساروا على نفس البنود مع التغيير في نسبها لإقرار العدل والمساواة بين كل أفراد الشعب، فالعدل هو الذي أوصل ماليزيا لنهضتها الاقتصادية الحالية، وبالطبع هناك عوامل أخرى مثل تجاوب الشعب مع البرامج الاقتصادية ودور الحكومات المتعاقبة وحسن تنظيمها للأمور؛ لكن كل هذا لم يكن ليجدي نفعا لولا أن الأساس الذي حمل كل البرامج على كتفيه ألا وهو العدل.

استمرت ماليزيا في التأسيس لنهضتها سنوات قبل أن تقضي تماما على مظاهر الفقر والجهل والمرض تكافل فيها السياسيون والشعب بنفس القدر، فلقد مرت ماليزيا بفترات صعبة اقتصاديا في زمن حسين أون ثالث وزراء ماليزيا ونائبه الذي أصبح رئيسا لوزراء ماليزيا من بعده مهاتير محمد، حيث أن صعوبة التحدي كانت تكمن في تحويل شعبا فقيرا تتفشى فيه الأمراض ومتحزب بشكل كبير وتطغى عليه الصراعات العرقية والطائفية إلى شعب متجانس ومنتج يقدس العمل ويحترمه، شعب متعلم يحمل أعلى الشهادات العلمية في العالم، شعب لا يعانى من الأمراض أو الفقر، يحارب الفساد بكل صوره، ذلك التحدي لم يكن سهلا أبدا يعود الفضل الأكبر فيه إلى رؤية مهاتير محمد ودأبه في تطبيق برنامجه الذي نقل ماليزيا تلك النقلة التاريخية.

 

 

النهضة التعليمية:

حدد مهاتير محمد أولوياته ووضع يده على أسباب الفشل الاقتصادي التي عانت منه ماليزيا لعقود و حددهم بـ 3 أسباب هي الفساد وضعف الكفاءة وعدم الأمانة؛ ثم بدأ العمل على سد تلك الثغرات ورأى أنه لكي تُعد شعبا منتجا لابد وأن يفهم أولا أن كل ما يحدث سيكون لصالحه ومستقبل أبنائه لاحقا فاختار التعليم كبداية وهو وزير تعليم سابق وقام بإعداد برنامج شامل لتطوير التعليم في الدولة شمل عدة بنود أهمها:

– أدخل مرحلة رياض الأطفال تحت سيطرة وزارة التربية والتعليم.

– وضع مناهج تغرز روح الانتماء وحب الوطن في نفس الأطفال من الصغر.

– اهتم بالتعليم الفني والمهني بشدة وأنشئ المعاهد الفنية لتأهيل الطلبة لسوق العمل.

– أدخل الحاسب الآلي والإنترنت في 90 % من مدارس ماليزيا بحلول عام 1996.

– طور المناهج بالبعد عن الحفظ والتلقين واتجه لتنمية المهارات.

– اختار مديرين المدارس والأساتذة طبقا لمعايير غاية في الصرامة.

– حسنَّ أجور العاملين بقطاع التعليم وعلى رأسهم المُعلمين.

– زودَّ ميزانية التعليم إلى 2.9 مليار دولار في 1996 ثم إلى 3.7 مليار دولار في 2000 بما يوازى 21.7 % و 23.8 % من الإنفاق الكلي للدولة.

– طبق إلزامية التعليم مع تجريم عدم إرسال الأبناء للمدارس.

– أعطى منح تعليمية لغير القادرين وتكفلت الدولة بمصاريفهم.

– أعطى منحا للتعليم بالخارج.

– أرسل بعثات علمية إلى أرقى الجامعات لتخريج جيل يستطيع تحمل مسئولية الدولة.

– أنشئ أكثر من 400 معهد وكلية خاصة وأحدث توأمة بينهما وبين أفضل الجامعات الأجنبية.

– قرر ربط البحث العلمي في الكليات والمعاهد بالقطاع الخاص بمعنى أن شركات القطاع الخاص تنفق على الأبحاث العلمية للطلبة في المراكز البحثية الجامعية مع أحقيتها في الاستفادة بأي بحث أو اختراع ينتج عن المركز لمدة معينة وبذلك وفرَّ عبء مالي من على أكتاف الدولة وفي نفس الوقت نمى قطاع مؤثر جدا في التنمية وهو قطاع البحث العلمي.

 

 

النهضة الصحية:

منذ اليوم الأول لحكومة عبد الرازق حسن عام 1970 ووصولا لحكومة مهاتير محمد كان هدف تحقيق الرعاية الصحية للشعب الماليزي كان نصب أعينهم، وبالطبع كانت الوتيرة بطيئة نسبيا في البداية بحكم تواضع الإمكانات ولكنها أتت بثمارها مع الوقت حيث قامت على عدة أسس منها:

– الدعم الحكومي لثمن الأدوية التي يحتاجها الفقراء باستمرار و أيضا الأدوية المنقذة للحياة.

– تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في القطاع الطبي وبناء المستشفيات والمراكز الصحية.

– المساعدة في إنشاء العيادات الخارجية المتنقلة ووصولها إلى مناطق الريف التي كانت مهملة سابقا مع تقديمها لخدماتها مجانا خاصة في مجال الصحة الإنجابية.

– آثار التطور الذي حدث في القطاع الصحي الماليزي وصل إلى حصول المستشفيات الماليزية على شهادة الأيزو 9002 وهو الأمر الذي أهلَّها لتصبح مستشفيات دولية ومحل إقبال عالمي.

– تتكفل الحكومة الماليزية الآن بتغطية تكاليف الرعاية الصحية ونفقات العلاج بنسبة 98 % وذلك يشمل كل من يعيش على أرض ماليزيا سواء كان مواطنا أو مغتربا وبغض النظر عن مدى شرعية إقامته خصص لذلك 4.8 % من ناتجها القومي الإجمالي.

– أثر ذلك تُرجم لأرقام ممتازة حيث ارتفع متوسط العمر المأمول من 69 عاما إلى 75 عاما وانخفض معدل احتمالية وفاة المواليد حتى خمس سنوات إلى 6 حالات من كل 1000 مولود.

 

 

مكافحة الفقر:

الوضع في البداية كان مأساويا، فالفقر كان منتشرا في كل مكان تقريبا، وبالكاد يجد الشعب قوت يومه؛ وهو ما دعا إلى القضاء على الفقر في أسرع وقت ممكنا، وأقرت الحكومة بمساعدة المؤسسات غير الحكومية أكثر من برنامج لدعم الفقراء أبرزها:

  • برنامج التنمية للأسر الأكثر فقرا:

    ساهم في تقديم فرص عمل جديدة وزيادة الخدمات الموجهة للمناطق الفقيرة ذات الأولوية بالإضافة لإنشاء الكثير من المساكن وتأهيل وترميم القديم منها وتحسين ظروف سكن تلك الطبقة من المجتمع عن طريق مد خطوط المياه النقية وتوصيل الكهرباء والصرف الصحي.

    – برنامج أمانة أسهم البوميبترا:

    البوميبترا هم عرق المالاي والسكان الأصليين وبحكم أنهم كانوا الفئات الأفقر في المجتمع فقد أصبح دعمهم أمرا إجباريا فقام البرنامج بدعمهم عن طريق قروض حسنة بدون فوائد وبفترات سماح تصل إلى أربع سنوات مع ميزة رائعة وهي إمكانية استثمار تلك القروض في شراء أسهم بواسطة المؤسسة نفسها.

    – برنامج أمانة اختيار ماليزيا:

    برنامج غير حكومي نفذته مجموعة من المنظمات الأهلية الماليزية وساهم في زيادة دخل الأسر الفقيرة مع تقديم قروض بدون فوائد للفقراء بشرط أن تكون مرتبطة بمجال الزراعة أو أحد المشروعات متناهية الصغر وكانت تلك المنظمات توفر مبالغ القروض إما من المنح الخارجية أو عن طريق قروض بدون فائدة أيضا تقدمها لها الحكومة.

    – دعمت الحكومة الفقراء عن طريق تقديم إعانة شهرية تراوحت بين 130 : 260 دولارا أمريكيا لمن يعول أسرة و هو معوق أو غير قادر على العمل بسبب الشيخوخة.

    – قدمت الحكومة قروضا بدون فوائد لشراء مساكن قليلة التكلفة للفقراء في المناطق الحضرية وأسست صندوقا لدعم المتأثرين بأزمة العملات الآسيوية في 1997 على الرغم من تقليل إنفاق الحكومة بعد تلك الأزمة.

    – توفير كل مرافق البنية التحتية الأساسية للفقراء في المناطق الريفية وأحياء الفقراء في المناطق الحضرية لا سيما في المدارس والمستشفيات والمياه والكهرباء والطرق والكباري والاتصالات السلكية واللاسلكية ضمن خطة مهاتير محمد التي أطلق عليها رؤية 2020.

    – المساهمة في تعليم المرأة الماليزية وتطوير مستواها عن طريق إقامة المدارس الدينية التي تم إنشاؤها بالعون الشعبي إذ ساهمت تلك المدارس في توسيع قاعدة المتعلمين بين الفتيات والنساء.

    – بحلول منتصف التسعينات كانت مؤشرات الفقر قد تراجعت لمعدلات قياسية فقد تراجع معدل الفقر في المناطق الحضرية إلى حدود 9 % و 13.2 % في المناطق الريفية مع تراجع معدل الفقر المدقع إلى 2.1 % فقط.

 

 

النهضة الاقتصادية:

 

1 – الصناعة:

في بداية فترة حكم مهاتير محمد لجأ كسابقيه إلى الاعتماد على الزراعة كأساس لنهضة البلاد بحكم توفر الأراضي الزراعية وبغرض استيعاب عدد كبير من العاطلين عن العمل لكن الزراعة وحدها لا تكفي ففكر في أكثر مجال يحتاج للأيدى العاملة ليضرب عصفورين بحجر واحدة (تحقيق أرباح + تخفيض البطالة) فوقع اختياره على صناعة الرقائق الإليكترونية وتبعها بصناعة الكمبيوتر والتليفزيون والتكييف والفيديو وأجهزة الصوت وهو ثمرة التعاون مع الشركات اليابانية في عهده حيث كانت اليابان الدولة الداعمة الأولى لنهضة ماليزيا وذلك لم يكن ليتم لولا جهود مهاتير محمد مع الحكومة اليابانية التي جاهد كثيرا لإقناعها ببرنامجه الطموح مع إغرائهم بالمزايا المتعددة من دخولهم السوق الماليزي فأعطى لهم إعفاءات ضريبية وصلت إلى 10 سنوات للشركات العاملة في المجالات التكنولوجية إذا ما أنتجوا تلك الأجهزة بمكونات محلية بنسبة 80 % و في حالة تصدير 80 % على الأقل وقدم قروضا لتلك الشركات وتسهيلات في السداد وأنشأ لهم المناطق الصناعية واهتم بالبنية التحتية حتى باتت ماليزيا الآن من أشهر دول العالم في تلك الصناعات ولم يهدر حق باقي الصناعات فعلى مدار فترة ولايته ساهمت سياسته فىيإنشاء أكثر من 15000 مشروع برأس مال قدر بـ 220 مليار دولار يخص الاستثمار الأجنبى منها 54 %.

 

2 – السياحة:

في بداية عهده كانت السياحة صناعة راكدة ففكر في كيفية تنميتها ووضع خطة تنمية لها عن طريق تحويل كل معسكرات اليابانيين في الحرب العالمية الثانية إلى منتجعات سياحية ومنشآت رياضية ترفيهية ومراكز علاجية وحدد 10 سنوات لاختبار نتيجة ذلك التطوير في البنية التحتية السياحية فتحولت ماليزيا إلى أحد أكبر المزارات السياحية ومركزا لإقامة أكبر بطولات سباق السيارات وسباقات الخيول والألعاب المائية وتحول إيراد السياحة من 90 مليون دولار عام 1981 إلى 22.6 مليار دولار  عام 2014.

 

3 – النهضة الإنشائية:

النهضة الاقتصادية والوفرة المالية التى نتجت من عمل سنوات طويلة فقد ظهر أثرها في ثورة إنشائية هائلة في عموم البلاد ولكن من الممكن تلخيصها في بعض الإنشاءات التي تعد علامات لماليزيا الحديثة اليوم مثل البرج التوءم (بتروناس)، ومطار كوالالمبور الدولي، والطريق السريع بين الشمال والجنوب، وحلبة سيبانغ الدولية، وممر الوسائط المتعددة الخارق، وسد باكون الكهرومائي، والعاصمة الإدارية الاتحادية الجديدة (بوتراجايا).

4 – الأزمة الاقتصادية الآسيوية:

أكبر أزمة اقتصادية قابلت مهاتير كانت الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 وتأثر بسببها الاقتصاد كباقي الدول الآسيوية وإن كان بصورة أقل من نظرائها ولم يسبقها حينها إلا الاقتصاد السنغافوري، وتأثرت وقتها العملة المحلية (الرينجيت) بسبب المضاربات ومعها حاول اللجوء لصندوق النقد الدولي للتفاوض على قرض ولكنه اكتشف مع المفاوضات أنه سيكون مكبل بالقيود وستعانى ماليزيا من سلب الإرادة و عدم الاستقلالية في اتخاذ القرار بالإضافة لتكبيل الأجيال القادمة بديون وفوائد سيؤدى سدادها إلى تباطؤ في معدلات نموهم فقرر الاعتماد على نفسه وعلى شعبه واتخذ قرارات كانت صارمة لكنها مفيدة في نفس الوقت ومعها نجح في تخطي الأزمة وساعده في ذلك ارتفاع معدلات التصدير في مجال الإليكترونيات، وأبرز تلك القرارات كانت؛ جعل التعامل بالعملة الوطنية داخليا فقط وعدم قابليتها للتحويل، مع إعادة هيكلة 11 بنك محلي، وتثبيت سعر الدولار عند 3.8 رينجيت لكل دولار مع منع تحويلها إلا في المطارات والموانئ فقط.

كذلك إنشاء مجلس العمل الاقتصادي الوطني تحت إشرافه شخصيا، وفرض قيود لمنع بيع الشركات الوطنية، وجذب الاستثمارات الأجنبية للقطاع الخاص خصوصا من اليابان وسنغافورة، وشراء كافة الديون المعدومة للشركات التي تأثرت بالأزمة، مع إعادة هيكلة الديون المتاح تحصيلها مع دعم غير محدود للبنوك الوطنية.

 

 

الخلاصة

 

– التجربة الماليزية تجربة تستحق الاحترام بحق ويحق لماليزيا حكومة و شعبا الفخر بما حققته على مدار 52 عاما في ظل صعوبات تمثل عائقا لمجرد التفكير في أي نمو مستقبلي بداية من صغر مساحتها – 330 ألف كيلو متر – وتنوعها العرقي المقسم بين مالاي وصينيين وهنود بخلاف نسبة أخرى من المهاجرين وتنوعها الديني بين الإسلام والمسيحية وبعض العقائد الأخرى مثل الهندوسية وعدد السكان الكبير مقارنة بظروفهم وقتها –  9.5 مليون نسمه – بالإضافة لجو مشحون بالمشاكل العرقية والطائفية وفقر ومرض إلا أنه ورغم كل تلك الصعوبات وعلى يد أبنائها خاصة صانع نهضتها مهاتير محمد استطاعت ماليزيا تجاوز العقبات ووضع نفسها على خريطة الصناعة العالمية.

– استطاعت ماليزيا أن تتحول من مجرد دولة زراعية تنتج المطاط وزيت النخيل والشاي كمحاصيل أساسية بالإضافة لإنتاج القصدير وتصديره كمنتج أولي إلى دولة صناعية وخدمية كبرى حيث يمثل القطاعان معا 90 % من الناتج القومي لها، كما طال التطور كل أرجاء ماليزيا حتى إن من بين كل 10 سيارات تسير في شوارع ماليزيا 8 منهم صناعة محلية، واستطاعت بنهضتها التغلب على وحش البطالة حتى وصل معدل البطالة إلى 3 % من إجمالي القوى العاملة وانخفض معدل الفقر لأقل من 5 % بعدما كان 71 % وقت التأسيس و 51 % بداية فترة عهد مهاتير محمد.

–  اقتصاد ماليزيا الآن رقم 36 على العالم بناتج محلي إجمالي 308 مليار دولار 2016 مع معدل صادرات أكثر من رائع 254 مليار دولار يضعها في المركز 18 عالميا ومعدل واردات ممتاز 175 مليار دولار يضعها في المركز 25 عالميا محققة فائض في ميزانها التجاري يقدر بـ 79 مع معدل نمو 4.2 % في 2016 مع معدل تضخم قليل للغاية 2.12 %.

 

المراجع

  • التجربة التنموية في ماليزيا من العام 2000 حتى 2010 د/ نادية فاضل عباس فضلى

    http://cutt.us/MVFt7

  • السياسات العامة في ماليزيا قراءة في آليات صنعها وخصائصها د/ سعد علي حسبن التميمي .http://cutt.us/6790Y
  • – مشكلة البطالة وآليات العلاج دراسة تطبيقية مقارنة بين حالتي مصر وماليزيا

    أ / سحر أحمد حسن http://cutt.us/72mg

  • التعدد العرقي في ماليزيا وأثره على الاستقرار السياسي المركز الديمقراطي العربي

    أحمد مجدى محمود عبد السلام  http://cutt.us/7KMcT

  • كيف تهزم الفقر؟ د / محمد شريف بشير http://cutt.us/21pZj
  • كتاب التجربة الماليزية مهاتير محمد http://cutt.us/CypQv
  • تجربة ماليزيا المعهد العربي للتخطيط  أ / عادل عبد العظيمhttp://cutt.us/fxQnv
  • التغلب على الأزمات المالية د / عبد الرحيم عبد الواحد http://cutt.us/CxBD
  • المؤشرات الاقتصادية http://cutt.us/xPLNv

المؤشرات الاقتصادية http://cutt.us/kgfjJ


عن الكاتب