جديد: كيف تخطت "تويوتا" حاجز التريليون ونصف تريليون ين ياباني كأرباح سنوية في العام الماضي؟

Avatar
سعد عمر مشعل

لعل هذا السؤال ما دفعني بشدة للبحث عن سر هذه الشركة العظيمة التي بدءت منذ عقود وما زالت علي قمة المنافسة في وضعنا الحالي، كيف استطاعت الصمود كل هذه المدة، وكيفت كانت البداية؟ 


عندما تقرأ عن شركة تحقق أرباحا سنوية تعادل 16 مليار دولار في العام الماضي، حتما هناك سر عظيم وراء هذا النجاح، وهذا ما سنسرده في هذا المقال.

 

بدأت القصة في عام 1890 عندما كان ساكيشي يعمل في قسم الأبحاث والتطوير بإحدى الشركات الرائدة في مجال الغزل والنسيج في دولة اليابان، كان حلمه الأكبر آنذاك هو تطوير آلة للنسيج تعمل على زيادة الإنتاج و تخفيض التكاليف تجعل من دولته رائدة في هذا المجال.

هذا الحلم الذي دفع ساكيشي ليحاول عدة مرات وفي كل مرة لا يصل إلى النتيجة المطلوبة، استمر الأمر معه لـ20 عاما تقريبا، عشرون سنة من المحاولة والفشل ولم يصبه اليأس والاستسلام قط، إلى أن انتهى الأمر به مطرودا من شركته بسبب كثرة تكاليف أبحاثه الأمر الذي أضر بقدرة الشركة المالية وكاد أن يكبدها مرارة الإفلاس.

 
هنا وجد ساكيشي نفسه خارج الشركة بلا وظيفة ولا مال، ولكنه ما زال يمتلك الطموح والعزيمة لتحقيق حلمه المنشود.

قرر ساكيشي حينها السفر إلى أمريكا والتطلع إلي أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا، خلال هذا العام تفقد ساكيشي الكثير من الصناعات والابتكارات، ولعل أبرزها في ذلك الوقت كانت صناعة السيارات الأمريكية .


عاد بعدها ساكيشي إلي بلاده وما زال يمتلك نفس القدر من الطموح والثبات على تطوير آلة النسيج، فقرر البدء من جديد .


ولأن ساكيشي لم يكن يملك المال وقتها فقد قرر أن يدخل في شراكة مع أحد أصحاب رؤوس الأموال، ووجد حينها صديقا له يعمل كمدير بإحدى الشركات، وبدء حياته من جديد في مكان صغير يكفي لتجربة أبحاثه ومحاولاته.


هنا قد وصلنا إلى عام  1920 وهو عام مهم جدا في مقالنا هذا، كان هذا العام هو موعد تخرج ابنه كيشيرو من الجامعة والذي سيكون له شأن كبير في تويوتا مع والده .


انضم كيشيرو مباشرة مع والده في ورشته الفنية لتطوير آلة النسيج واستمر هذا الوضع حتي عام 1924؛
في هذا العام استطاع ساكيشي مع ابنه كيشيرو تحقيق الحلم الأكبر وهو تطوير آلة النسيج والتي ساعدت في زيادة الإنتاج بما يعادل أربعة أضعاف الإنتاج الحالي وتخفيض التكاليف بما يعادل 50% من التكاليف الحالية؛ ولعل هذه النتيجة مناسبة جدا لحجم التضحيات التي تم بذلها من ساكيشي ومن ثم ابنه على مدار ثلاثة وثلاثون عاما من الطموح والعزيمة والإصرار .


ولكن ساكيشي لم يكتف بهذا الحد من النجاحات، لم يكتف بأن وضع اسم بلده اليابان في مقدمة الدول كبلد مصنع للنسيج، ولكنه كان يمتلك حلما أكبر بكثير، وهو صناعة السيارات أيضا .


عام 1929 وجه ساكيشي كلماته لإبنه كيشيرو قائلا: "كنت أود تطوير اليابان في صناعة النسيج، أما أنت فعليك فعل الأمر ذاته ولكن في صناعة السيارات".


ولكن ساكيشي كان دقيقا أيضا في أهدافه ورؤيته، فطلب من كيشيرو أن تكون هذه السيارات ذات سعر مناسب مع مستوى الدخل في اليابان، وأن تكون بأفضل جودة ممكنة وألا تكون استهلاكية (وهذا ما يطلق عليه حاليا المزيج التسويقي).

وكخطوة داعمة لكيشيرو في بداية طريقة، قام ساكيشي ببيع براءة الاختراع الخاصة به في عام 1929 بما يعادل 100 ألف دولار أعطاهم جميعا إلى إبنه كيشيرو ليمول بهم أبحاثه واختراعاته.


عام 1930 توفي ساكيشي وترك الطريق واسعا أمام كيشيرو في صناعة السيارات؛ وفي عام 1935 استطاع كيشيرو أن ينتج أول سيارة يابانية ويبدأ في تحقيق الحلم الأكبر له (كان هذا بعد تخرجه من الجامعة ب 15 عاما تقريبا).

مرت الأيام وفي عام 1947 بدء كيشيرو بتصدير سيارته إلى أمريكا تحت مسمي Toypet ، ولكن للأسف الشديد لم يلاقي أي قبول هناك وكانت هذه أولى صدماته .


قرر بعدها كيشيرو السفر إلى أمريكا لمعرفة سبب هذا الفشل غير المتوقع، إلى أن اكتشف أن اسم سيارته غير مناسب مع ثقافة السكان في أمريكا حيث أن اسم السيارة ينقسم إلى Toy وهي تعني لعبة، و Pet وهي تعني حيوان منزلي بالإنجليزية، والأمريكان لم يتقبلوا أن يستخدموا سيارة بهذا الاسم .


استوعب بعدها كيشيرو أن السبب في عدم الشراء هو تسويقي بحت، فقرر تغيير إسم السيارة إلى تويوتا، وحينها بدأت المبيعات في الارتفاع .

المثير للانتباه في قصة كيشيرو أنه وبعد الحرب العالمية الثانية كانت قد دُمرت اليابان بما تملك، وانهار اقتصادها تباعا، ولكن كيشيرو كان مثل أبيه لا يعرف الاستسلام وقرر البدء من جديد .


ولكنه أيضا كان يدرك أنه يتوجب عليه وضع استراتيجية اقتصادية تضمن له تخفيض التكاليف لأقل ما يمكن، فقرر اتباع سياسة إنتاجية تتبلور في نقطتين هامتان وهما :


الأول: يطلق عليها jit ( just in time)

مبدأ (فقط عند الحاجة) يعني أن المواد الأولية أو القطع لن تصل إلى خط الانتاج النهائي إلا عند الحاجة إليها، وأيضا لن يتم تصنيع أي قطع أو أجزاء في أي قسم من المصنع إلا عند الحاجة إليها وبالكمية المطلوبة فقط. هدف هذا المبدأ التقليل من الهدر بانتاج قطع زائدة عن الحاجة كما يقلل من المساحات المطلوبة للتخزين ويسرع عملية الإنتاج بجعل بيئة العمل مثالية.

الثاني: مبدأ الأتمتة الذاتية أو الجيدوكا

 

يعني أن الآلات يجب أن تكون بمفردها ودون تدخل الإنسان قادرة على التوقف عن العمل في حال حصول أي خطأ، أو في حال كانت المواد الداخلة إلى الآلة أوالخارجة منها معيبة. هذا المبدأ يؤدي إلى تقليل الهدر الناتج عن انتاج قطع معيبة، كما يقلل من عدد العمال المشغلون والمراقبون للآلات حيث لا حاجة للعامل إلا عند توقف الآلة.

 

كما أن تويوتا كانت تمتاز بأسلوب إداري فذ أطلقت عليه 5 why ، وهو ما يشير إلى أننا سوف نظل نسأل "لماذا" على كل مشكلة خمس مرات حتى نصل إلى سببها الرئيسي ونقوم بمعالجته منعا لتكرار المشكلة، لن نكتفي فقط بمعالجة الظواهر ونترك الأصل .

 

هنا عزيزي القارئ أكون قد أسردت لك قصة نشأة تويوتا في عصرها الأول، وكم الصعوبات والتحديات التي واجهتهم في البداية، ولكن كما ذكرت سابقا كيف استطاعت الشركة الاستمرارية في قمة المنافسة؟.

 

لعل معظمنا كان متابعا لما حدث لسيارة تويوتا عام 2010، العيب الفني الذي تواجد بسيارات تويوتا وكادت أن تبعدها عن المنافسة لسنوات مثلما حدث مع نوكيا مثلا في مجال الهواتف المحمولة، فهي تلاشت عن السوق منذا عقد من الزمن تقريبا ولا نعلم متي أو كيف ستعود رغم محاولاتها المتعددة.

 

وهنا لن أتحدث عن سبب العطل الفني من تويوتا ولكن سأتطرق إلي الجانب الإداري مع المشكلة ، فلم تفكر تويوتا في إصلاح العطب لعملاءها مثلا، أو أن تتجاهل المشكلة مثلما يحدث مع الكثير من الشركات، ولكن تويوتا اتخذت قرارا قويا يوضح مدى اهتمامها بعملاءها وحرصها على إشباع رغباتهم، فقد قررت الشركة بسحب سياراتها جميعا من السوق حتى لا تضر بعملاءها ولا بسمعتها، ولعلك عزيزي القارئ عندما تعلم أن هذا القرار قد كلف الشركة ما يقارب 16 مليار دولار، ستدرك حينها أن القرار لم يكن سهلا على الإطلاق، ولكنك أيضا لن تتفاجئ ثانية إذا ما سمعت عن أرباح تويوتا أو توسعاتها.

 

في نهاية هذا المقال أود أن ألقي نظرة سريعة على فلسفة تويوتا الإدارية والتي تعتمد على 4 نقاط هامة جدا:

·        التفكير بنظرة مبعدية كأساس في اتخاذ القرارات.

·        العملية في طريقة حل المشاكل.

·        الارتقاء بالمنظمة بتأهيل وتطوير أُناسها

·        إدراك أن استمرار حل المشاكل من جذورها يدفع المنظمة للتعلم

 

هنا أكون قد أنهيت مقالي عن نشأة وتطور شركة تويوتا، و ما زال هناك الكثير من الدروس والاستفادات ولكن لم يسع المقال لذكرها، كما أنني لا أكتب مثل هذه المقالات من أجل السرد، ولكنني رأيت فيها ما يحتاجه كل من يملك طموحا ولكنه يواجه صعوبات، أردت أن أوضح أن بعد هذه الصعوبات استطاعت تويوتا حاليا أن تفتتح 522 فرعا حول العالم، استطاعت تحقيق هذا الحجم من الأرباح، استطاعت تويوتا أن تراها بما هي عليه الآن ولكن بعد أكثر من 30 عاما من المحاولة والإخفاق ، فلا تيأس أبدا.

عن الكاتب