جديد: كيف يسهم التعليم في دفع عملية التنمية؟

Avatar
شيماء محمود

التعليم: كيف يمكن توفير المدخلات المطلوبة للتعليم من حيث المناهج والمعلم والكتاب المدرسي وجودة التعليم، وأن يسهم التعليم في دفع التنمية والديمقراطية وغرس القيم الإيجابية، وأن يصبح التعليم قضية أمن قومي؟.

 

عملية التعليم من أهم القضايا التي تشغل المجتمعات المتقدمة في عصرنا الحالى، حيث تهتم الدول المتقدمة بتوفير المدخلات المطلوبة لدعم عملية التعليم من خلال توفير المناهج الدراسية المناسبة والمعلم والاعتماد على جودة التعليم وذلك حتى يحقق المجتمع متطلبات التنمية والديمقراطية وتعزيز قيم الولاء والانتماء للمجتمع للدفاع عن الأمن القومي في المجتمع.

 

وبالنظر إلى المنظومة التعليمية المصرية نجد أنها شهدت حالة من التخبط وتضارب تصريحات مسئولي وزارت التربية والتعليم، فكل وزير يأتي يطيح بخطة الوزير الذي سبقه مؤكدًا أن نظم التعليم الحديثة السبب في فشل الاستراتيجيات الموضوعة من أجل تطوير التعليم.

 

وقد تم وضع عدد من الخطط لتطوير التعليم في الفترة التي سبقت ثورة 25 يناير، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل وعقب ثورة 25 يناير تغيرت الوزارات واحدة تلو الأخرى حتي أن كل وزير يتولى حقيبة وزارة التربية والتعليم لم يستطع وضع معالم محددة للتطوير، ففي 1979 ظهرت ما يعرف بوثيقة تطوير وتحديث التعليم في عهد الدكتور مصطفي كمال حلمي تضمنت العديد من البرامج والرؤى لم ير النور أيا منها.

 

وفي منتصف ثمانينات القرن الماضي، في عهد الدكتور عبدالسلام عبدالغفار، صدرت وثيقة السياسة التعليمية في مصر ولكن بعدها بشهر تغيرت الوزارة، وهو ما دفع كل من منصور حسين وزير التربية والتعليم والدكتور فتحي محمد علي وزير التعليم العالي إلى تشكيل لجنة لوضع سياسة تعليمية، لكن قبل عقد أول اجتماع خرج الوزيران معًا من التشكيل الوزاري عام 1986.

 

ومع بداية مرحلة التسعينيات، توالى لأكثر من مرة تغيير وزارة التربية والتعليم حيث تولى الدكتور فتحي سرور حقيبتي التربية والتعليم والتعليم العالي وصدرت وثيقته المشهورة، وصدرت استراتيجية تطوير التعليم في 1987، تلاها وثيقة تطوير التعليم في مصر 1988، حيث أكد "سرور" أنه جاء لكي توضع سياسة تعليمية ثابته باسم المجالس لا باسم الوزير، كما شهد عهده تخفيض مدة التعليم الإلزامي لتصبح 5 سنوات بدلا من ست.

 

ثم تولى الدكتور حسين كامل بهاء الدين، الذي أصدر هو الآخر وثيقة جديدة عن السياسة التعليمية في مصر تحمل عنوان "مبارك والتعليم نظرة إلى المستقبل"، وفي هذا الإطار أصبحت الثانوية العامة المصرية بنظام السنتين والتحسين بحجة القضاء على الدروس الخصوصية وتخفيف العبء على الأسر المصرية وتطبيق سياسة التقييم الشامل للطالب ليمضي بعدها، كما أعاد مدة التعليم الالزامي إلى ست سنوات.

 

أما مرحلة الدكتور يسري الجمل، وزير التربية والتعليم الأسبق، فشهدت تنظيم المؤتمر القومي لتطوير التعليم الثانوي وسياسات القبول بالتعليم العالي حضره الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في ذلك الوقت حيث تم الاتفاق على إلغاء العامين للثانوية العامة لتعود لنظام العام الواحد وهكذا تم إلغاء كل القرارات والتوصيات التي صدرت عن كل المؤتمرات القومية والاستراتيجيات والسياسات والشعارات التي رفعت مثل التعليم هو المشروع القومي الأكبر لمصر والجودة والتعليم للتميز وغيرها.

 

 ثم تولى الدكتور أحمد جمال الدين منصب وزير التربية والتعليم ولكنة لم يستمر طويلاً في الوزارة ليصنع سياسة تعليمية جديدة، وكذلك الدكتور أحمد زكي بدر آخر وزراء التعليم قبل ثورة 25 يناير.

 

وإذا نظرنا إلى مستوى التعليم بعد ثورة 25 يناير نجد أنه لم يشهد التطبيق العملي على مراحل تطوير التعليم تغييرًا كثيرًا في عهد الدكتور إبراهيم غنيم.

 

وعقب ثورة 30 يونيو، تولى الدكتور محمود أبو النصر الوزارة ونسف جميع استراتيجيات التعليم التي وضعت في الماضي ووضع استراتيجية جديدة أكد أنها غير مرتبطة بأشخاص الوزراء لأنها تحظى بتوافق مجتمعي، أنها سوف تستمر حتى 2030 عبر 3 مراحل.

 

وفى هذا السياق يرى الباحث ضرورة وضع استراتيجية محكمة لتطوير العملية التعليمية وتشتمل هذه الاستراتيجية على عدة محاور هي:

 

-               تطوير البنية التحتية للمؤسسات التعليمية.

 

-               تطوير الإطار التشريعي.

 

-               محور تطوير المناهج التعليمية.

 

-               تطوير المعلم.

 

-               استخدام خطة التمكين الرقمي.

 

-               الرقابة على أداء المؤسسات التعليمية.

 

-               تعاون داخلي وخارجي في مجال التعليم.

 

           تطوير البنية التحتية للمؤسسات التعليمية:

 

وذلك من خلال الاستثمار في بناء المدارس في المدن والقرى، وتوفير الخدمات اللازمة للطلاب بما يتلائم مع احتياجات الطلاب الأساسية حيث يلعب موقع المدرسة (مدينة أو قرية) دورا كبيرا في تحديد احتياجات الحد الأدنى أو الأقصى اللازم لبناء مدرسة التعليم الأساسي والنسبة المئوية للاستفادة من الموقع في البناء أو للخدمات المختلفة، ويشترط في الموقع عدة بنود منها:

 

1-            أن يكون الموقع على شوارع خاصة أو ثانوية بحيث لا تزيد المسافة التي يقطعها الطفل عن1\2 كيلو متر.

 

2-            يكون بعيدا عن مصادر الضوضاء والمصانع والملاهي والتي تؤثر على الأطفال صغار السن أو كبار السن.

 

3-            توسط الموقع للخدمات مستشفيات ونقاط الإطفاء وكذلك أن تكون المناظر المحيطة بالموقع صحية وغير مسببة لأي تلوث بصري.

 

4-            لا تقل المسافة لبعد المدرسة عن الجار عن 3م لعدم وصول الضوضاء إلى المبانى المجاورة.

 

بعد اختيار الموقع يجب تخطيطيه وفقا لعدة معايير تصميمية من أهمها: -

 

1-            الاستفادة من مساحة الموقع بحيث يشمل التصميم التخطيطي للموقع جميع العناصر التي يحتاجها برنامج المشروع وكذلك مراعاة علاقات المشروع مع بعضها على الوجه الأكمل.

 

2-            ينبغي أن تكون تخطيط أنظمة السير متكاملا بحيث توفر السلامة العامة للأطفال من خلال فصل كل فئة على حدة واستبعاد أو التقليل من التقاطع بين طرق المشاة والمركبات وتوفير تجهيزات النزول من المركبات.

 

           تطوير الإطار التشريعي:

 

وذلك من خلال تفعيل القوانين غير المعمول بها في مجال التعليم، وسن قوانين تجرم حرمان الأطفال من حقهم في التعليم، وأن تحدد وزارة التربية والتعليم لجنة خاصة بالبحث عن الأطفال الذين يتم حرمانهم من التعليم في القرى والمدن وتنفيذ عقوبات صارمة على المتسببين في تسريح الطلبة.

 

           تطوير المناهج التعليمية:

 

وذلك من خلال وضع مناهج جديدة تعتمد على التفكير والتحليل النقدي لدى الطالب من خلال عمل مناقشات جماعية بين الطلاب لإبداء رأيهم في المقررات التعليمية والمناقشة في الأوضاع السياسية للبلد حتى نشرك الطالب في الحياة السياسية ونخلق جيلا واعيا ومدركا للأحداث.

 

وأن تنمي المناهج التعليمية قيم الولاء والانتماء للوطن وتنمية قيم المشاركة والديمقراطية والحرية وإبداء الرأي وعدم التطرف والتعصب، وأن تعتمد هذه المناهج على الفهم وليس الحفظ لكي نخلق مفكرين وعلماء.

 

ضرورة الاعتماد على تنمية مهارات استخدام التكنولوجيا من خلال برامج للتمكين الرقمي أي استخدام التكنولوجيا في حقل التعليم وذلك من خلال توفير المحتوى الدراسي للطلبة على أقراص مدمجة يتم دراستها باستخدام الكمبيوتر.

 

وكذلك الاهتمام بالطلاب المبدعين والموهوبين وتوفير الفرص المناسبة لهم لزيادة قدراتهم وتشجيعهم على ممارسة الرياضة والقراءة وتنمية الجانب الثقافي لدى الطلاب.

 

عمل مراكز تدريب للطلاب ذوي القدرات المحدودة لتنمية قدراتهم وتوفير معلمين كفء للتدريس في هذه المراكز وتكون بأسعار رمزية للطلبة للتقليل من ظاهرة الدروس الخصوصية وأن يلتزم الطلاب والمدرسين بحضور المحاضرات في المركز وعمل لجنة تتابع وتقيم مستوى الطلاب قبل الدخول إلى المركز وبعد دخوله.

 

الاهتمام بتدريس المواد الأجنبية في المدارس الحكومية وأن تعامل المدارس الحكومية نفس معاملة المدارس الأجنبية من حيث المناهج المستخدمة وكفاءة المعلمين وجودة الشرح المقدم للطلبة.

 

إرسال الطلاب المتفوقين في مجال الدراسة والذين يمتلكون مواهب إبداعية لبعثات خارجية للاطلاع على تجارب الدول الأخرى وتنمية قدرتهم التعليمية والثقافية والإبداعية.

 

الاهتمام بمواد التربية الدينينة التي تشجع على تنمية قيم التسامح ونبذ العنف والتطرف لخلق جيل واع ولا يتأثر بمثيري الفتن الطائفية ومروجي الإرهاب، وكذلك الاهتمام بالجانب الرياضي من حيث تشجيع الطلبة على ممارسة الرياضة والمشاركة في المسابقات والفاعليات الرياضية.

 

           تطوير أداء المعلم:

 

وذلك من خلال توفير فرص التدريب اللازمة للمعلمين لتنمية قدراتهم لتتناسب مع المقررات والمناهج الجديدة، وتنمية الأداء التكنولوجي لدى المدرس ليتناسب مع متطلبات العصر، ووضع مكافأت للمعلمين الكفء، وتوفير احتياجات المعلم حتى لا يلجاً إلى الدروس الخصوصية.

 

ضرورة محاسبة من يقومون بإعطاء دروس خصوصية للطلبة، إرسال بعثات للخارج واستقبال بعثات وذلك لتبادل الخبرات بين المعلمين والاطلاع على ثقافات الدول الأخرى ونقلها للطلاب.

 

           الرقابة على أداء المؤسسات التعليمية:

 

وذلك من خلال تشكيل لجان لمراقبة وزارة التربية والتعليم ومعرفة مدى قدرتها على تحقيق الجودة المطلوبة في المجال التعليمي، ومراقبة أداء المعلمين والطلاب والمخطىء يقدم للعقاب.

 

           التعاون على المستوى الداخلي والخارجي:

 

حيث يجب تنمية التعاون في مجال التعليم في الداخل من خلال مشاركة مؤسسات المجتمع المدني لوزارة التربية والتعليم في نشر الثقافة التعليمية في القرى وذلك من خلال عمل مبادرات توعية بأهمية التعليم وبالمخاطر الناجمة عن إهماله، ودعم القطاع الخاص وزارة التربية والتعليم بالأموال اللازمة لتنمية قدرات ومهارات الطلاب وتوفير مستلزماتهم من الخدمات التعليمية.

 

أما بالنسبة للتعاون الخارجي فيتم من خلال استقدام بعثات من الخارج سواء معلمين أو طلاب لتبادل الخبرات مع الطلاب المصريين وإرسال الطلاب المصريين لبعثات خارجية، والمشاركة في الفاعليات الإقليمية والدولية.

 

وفي هذا الإطار يرى الباحث أنه في حالة توافر هذه المحاور وتطبيقها بشكل صحيح فإن مسار العملية التعليمية سيحقق الهدف المرجو منه وسيسهم في تحقيق التنمية وسيخلق جيلا واعيا ومدركا وقادرا على التفكير والتحليل والدفاع عن الأمن القومي للبلاد من خلال غرس قيم التنمية والولاء للوطن وإعلاء المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.

 

ختاما.. لا ينبغي التعامل مع منظمة التعليم بمعزل عن الاستراتيجية القومية للتنمية بمعنى أن يكون التعليم بوصلة التنمية المستهدفة وذلك من خلال تحويله من منظومة خدمية إلى منظومة إنتاجية تدفع  بعجلة التنمية، وهو ما سيعمل مركز شخصية مصر للدراسات الاستراتيجية على توصيفه من خلال طرح سلسلة من الدراسات المستقبلية التي تستهدف صياغة رؤية لتطوير منظومة التعليم بالشكل الذي  يمكن مصر من بناء الإنسان المصري على قاعدة الهوية المصرية لمواجهة تحديات المستقبل.

عن الكاتب