جديد: المراكز البحثية.. الفرص والتحديات

Avatar
ياسمين حمدي

 

مقدمة

      تعد المراكز البحثية ودورها في المجتمع من أهم الموضوعات المثيرة للجدل في الآونة الأخيرة، حيث يرجع ذلك بشكل أساسي إلى الفجوة الكبيرة ما بين دورها كما يجب أن يكون وما تقوم به في الواقع في أغلب المجتمعات باستثناء القليل منها وخاصة دورها في المجتمع الأمريكي، حيث نجد أن لها دور مؤثر في العديد من البنى في المجتمع الأمريكي، ومنها البنى السياسية والاجتماعية وتأثيرها على الرأي العام و..إلخ، ومن ثم فإنه سيتم تناول الموضوع من خلال عرض مجموعة من المحاور كما سيتضح في ثنايا هذه الورقة.

 

المحور الأول: الأهمية الاستراتيجية للمراكز البحثية بشكل عام

في هذا الإطار يمكن الإشارة إلى العناصر التالية:

1.    تمثل المراكز البحثية رصيدا معرفيا كبيرا يقدم مقومات التحليل واستشراف المستقبل، وكذلك فإنه يؤسس قاعدة فكرية رصينة لصياغة الرؤية الوطنية في الاستراتيجيات والأساسيات.

2.    لقد أصبح لها دورا كبيرا في التأثير غير المباشر على العلاقات الدولية.

3.    تعد المراكز البحثية مركزا لإنتاج الأفكار وليس مجرد مراكز لتجميع المعلومات، حيث نجد أن عملية صنع الأفكار لا تتم لذات الأفكار– كما قال الدكتور نصر محمد عارف- حيث أن الفكر له علاقة حتمية بالواقع، وما ليس له تأثير في الواقع لا قيمة له، ولا ينتهي الأمر عند صنع الأفكار وإنما نقلها للمجتمع وكذلك لصانع القرار السياسي.

4.    دعم صناع القرار، حيث تقوم المراكز البحثية ببلورة الخيارات والسياسات، وكذلك تفصيل القضايا بشكل علمي دقيق، ومن ثم سهولة استيعاب القضايا واستراتيجيات التعامل معها.

5.    تطوير الحياة المعرفية، وذلك من خلال أنشطة المراكز البحثية المشتركة وإشراكها للرأي العام، وإمدادهم بالمعلومات.

6.    فتح الآفاق لرؤية المستقبل بتصور علمي متزن موضوعي علمي.

 

 

المحور الثاني: كيفية مساهمة المراكز البحثية في صنع القرارات السياسية

 

        يمكن القول بأنه من المفترض أن يكون للمراكز البحثية دورا كبيرا وفعالا في هذا المجال، وذلك من خلال ما تقدمه المراكز البحثية من دراسات وأفكار ومن ثم بلورة العديد من الخيارات، وكذلك عرض السياسات لصناع القرار، بحيث تتناسب هذه السياسات مع ظروف المجتمع وفي ظل الموارد والإمكانيات المتاحة، كما أنها تقوم بشرح القضايا المختلفة بشكل علمي وبدرجة عالية من الدقة، ومن ثم فإنها تساعد في استيعاب القضايا المختلفة، وكذلك استراتيجيات التعامل معها.

       ويجب الإشارة إلى أنها تلعب دورا بالغا في عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعد مصنعا للأفكار ويمكن أن تؤدي إلى تغيير تصور المصالح القومية الأمريكية وفهمها، وكذلك التأثير في ترتيب الأولويات وتوفير خرائط طرق العمل وحشد التحالفات السياسية والبيروقراطية، ومن ثم التأثير في عملية صنع القرار السياسي.

 

المحور الثالث: الرؤية القومية والمساهمة في بناء المجتمعات السياسية

 

         تشير الخبرة الأمريكية إلى أن المراكز البحثية تقوم بهذا الدور من خلال ما تقدمه من دراسات واستشراف للمستقبل وهو ما يمكنها من تحديد الرؤية القومية اتساقا مع مفهوم الدولة القومية، وما يجب أن تسير المجتمعات في طريقها وما يجب أن تبتعد عنه من سياسات واستراتيجيات.

         كما أنها تستطيع القيام بهذا الدور أيضا من خلال تقديمها للمعلومات والتنبؤات تمكن المجتمع وأفراده من استيعاب الواقع وزيادة الوعي السياسي بالمجتمع وظروفه، ومن ثم فإنها تساهم في بناء المجتمعات أيضا من خلال تزويد إدارات الحكم الجديدة بالخبراء والمستشارين من المواهب السياسية ممن يمكن أن توفرهم هذه المراكز.

       ويجب الإشارة إلى أنه قد حدث ذلك بالفعل في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث استعان الرئيس رونالد ريغان بهذه المراكز لتشكيل هيئة خبرائه ومستشاريه، حيث استعان خلال فترتيه الرئاسيتين بمائة وخمسين شخصا من مؤسسة هيريتيج ومؤسسة هوفر ومعهد انتبرايز الأمريكي.

       كما يجب الإشارة إلى أنها تساهم أيضا في بناء المجتمعات السياسية من خلال إشراك الجمهور، حيث تعمل على إثراء الثقافة المدنية عن طريق توعية المواطنين وتعريفهم بطبيعة العالم الذي يعيشون فيه، وكذلك متابعة التحديات والأحداث المتجددة، وخاصة نتيجة زيادة تسارع وتيرة العولمة، وسهولة التواصل مع الجمهور أكثر من أي وقت مضي.

 

المحور الرابع: المراكز البحثية كأحد محركات السياسة الخارجية الدولية

 

        يمكن القول بأنها تقوم بهذا الدور من خلال ما تقوم به من سد لفجوة الاختلافات، حيث تقوم برعاية الحوارات السياسية الهامة، كما تقوم بتأمين وساطة فريق ثالث بين الأطراف المتنازعة. ويجب الإشارة إلى أن ذلك قد حدث بالفعل كما في حالة معهد السلام الأمريكي، حيث قام بتسهيل مفاوضات غير رسمية (المسار2).

       كما نجد أن هذه المراكز تشارك بشكل كبير في الدبلوماسية الوقائية، وكذلك في تدبر أمر النزاعات وحلها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

-       شروع مؤسسة كارينجي في استضافة سلسلة من الاجتماعات في واشنطن، حيث جمعت ما بين القادة السياسيين ورجال الدين ورجال الأعمال وممثلي العمال والأكاديميين في جنوب أفريقيا والمعارضة لنظام الحكم العنصري في جنوب أفريقيا في المنفي وكذلك أعضاء في الكونجرس ومسئولين في الحكومة الأمريكية، حيث ساعدت على إقامة أول حوار وتفاهم حول مستقبل جنوب أفريقيا.

-       وأيضا ما قام به مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من حيث إطلاق مشاريع لتحسين العلاقات الأثينية بين سكان يوغوسلافيا، وكذلك تسهيل الحوار اليوناني التركي.

الخاتمة

         من العرض المختصر السابق لأهمية المراكز البحثية ودورها سواء في صنع القرارات السياسية، أو المساهمة في بناء المجتمعات السياسية في ضوء الخبرة الأمريكية، وكذلك دورها كمحرك للسياسة الخارجية يمكن القول بأنها إما أن تمثل فرصة أو تحديا، وذلك يتوقف على مدى فعالية هذه المراكز ومدى استغلالها والاستفادة منها وكذلك وفقا لنظرة المجتمع لها ولدورها.

        حيث أنه في حالة الاستغلال الأمثل لهذه المراكز والاستفادة مما تقدمه من دراسات واستشراف للمستقبل، وكذلك الاعتداد بما تقدمه من تقديرات للمواقف السياسية وتحليلاتها، فإنها تمثل فرصة أمام المجتمع، وكذلك فإنها تمكنه من تجنب الوقوع في العديد من الأزمات بدرجة كبيرة، ومن ثم الحفاظ على استقرار المجتمع وبنيته وتماسكه.

        ويمكن القول أن التحديات التي تواجهها مثل هذه المراكز في المجتمعات العربية، قد تجعلها تمثل عائقا أمام المجتمع، وذلك نتيجة لعدم الاهتمام بهذه المراكز وتطويرها، وعدم الاعتداد بما تقدمه من دراسات واستشراف للمستقبل مبنية على أسس علمية دقيقة وعدم الاهتمام بها من صانع القرار وكافة مستخدمي أبحاث هذه المراكز.

       وكذلك أيضا لصعوبة حصول هذه المراكز على تمويل ودعم مما يؤدي إلى إغلاق العديد منها، ناهيك عن قلة البرامج التدريبية لتأهيل الكوادر البحثية الجديدة وإدماجهم في عمليات البحث العلمي والنشر بشكل منتظم، وتخليق وظائف بحثية تستوعبهم. ومن ثم فإنه يجب الاهتمام بهذه المراكز بدرجة كبيرة حتي تؤتي ثمارها المرجوة منها.


وعلى كل ماسبق كانت فكرة تأسيس مركز شخصية مصر للدراسات الاستراتيجية بالاعتماد على رأس مال وطني خالص من خلال إسهامات أعضاء مجلس الأمناء كوسيلة لاستقلال نتاج المركز البحثي لتحقيق دورة الوطني بعيداً عن التمويلات الخارجية المشبوهة و المال السياسي الفاسد ونتمنى أن تكون تجربة مركز شخصية مصر تليق بمؤسس منهجها الفكري الدكتور جمال حمدان وتليق بريادة مصر التي نهدف أن يكون هذا المركز جزء ولو بسيط في معادلة قوتها الناعمة أمام المؤسسات والمراكز المشبوهة فكراً ومالاً. 

المراجع

 

1.    ريتشارد هاس، دور مؤسسات الفكر والرأي في السياسة الخارجية الأمريكية، جريدة مصر الحرة نقلا عن مجلة تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية، تاريخ الإطلاع 10/11/2017، متاح على: www.misralhura.wordpress.com

2.    عصام زيدان، المراكز البحثية: الأهداف الطموحة والحلقات المفقودة، مركز سير للدراسات ، تاريخ الإطلاع 8/11/2017، متاح على:  http://www.siironline.org

عن الكاتب