تخطيط: "مو صلاح".. رمزا للقوة الناعمة المصرية

Avatar
نداء كسبر

 v   مقدمة:

تعتبر القوة الناعمة وسيلة وسلاحا مؤثرا يحقق الأهداف عن طريق الجاذبية والإقناع بدلا من الإرغام والإقناع بالحجج أو دفع الأموال، ليصل إلى نتيجة أن موارد القوة الناعمة لأي بلد هي ثقافته، إذا كانت تتمتع بالقدر الأدنى من الجاذبية، وقيمها السياسية عندما يطبقها بإخلاص داخلياً وخارجياً، فالقوة الناعمة يظهر تأثيرها الإيجابي بأكثر من شكل وصورة، قد تكون سوقاً تجارية، أو مطعماً، أو فيلماً سينمائياً، أو على هيئة لاعب مصري متألق في الدوري الإنجليزي مثل "مو" صلاح، فالشيء المهم هنا يكمن في كيفية استخدامها في اقتلاع جذور التطرف، الذي بكل تأكيد لا يكون عبر المواجهات الأمنية بقدر ما يكون من خلال استخدام أدوات القوة الناعمة، مثل الرياضة والثقافة والفن لتكون سلاحاً فاعلاً في مواجهة التنظيمات المتطرفة[1].

بالتالي تكمن المعادلة الصعبة في كيفية التأثير في الآخرين بطريقة لائقة وبشكل غير مباشر، لذلك لم تعد الرياضة فقط مجرد لعبة، لم تعد كرة القدم تمتع مئات الملايين حول العالم وينتهي تأثيرها بمجرد انتهاء المباراة، لقد أصبحت عاملاً جيوسياسياً مهماً وعنصراً أساسياً من عناصر قوة الدول ونفوذها، في هذا السياق فإنه لا حديث فى العالم إلا عن الموهبة الكروية المصرية "محمد صلاح"، حيث تحول إلى رمز وأيقونة عربية، تؤكد على القدرة والإرادة في النجاح والتفوق والإبداع لدى الشباب المصري والعربي إذا توافر المناخ والظروف المناسبة في كافة المجالات، وليس فى كرة القدم فقط، وهناك مئات الأمثلة على النجاح الذى حققه الشباب بالخارج في الطب والعلوم والفنون[2].

 

 

v   نبذة عن محمد صلاح:

محمد صلاح لاعب كرة قدم مصري من مواليد قرية نجريج التابعة لمدينة بسيون عام 1992، نشأ محمد صلاح في ظل ظروف مادية صعبة اضطرته للتخلي عن حلمه في الدراسة الجامعية، بيد أنه لم يستسلم ونجح في تحقيق نجاح ترددت أصداؤه في العالم أجمع، بدأ حياته الكروية في نادي المقاولون العرب، حاول نادي الزمالك التعاقد معه، بيد أنهم اعتبروا تكلفة الصفقة كبيرة جدًا قياسًا على عمر صلاح، لذا غضوا الطرف عنها، ولكن حمل عام 2012 مفاجأة كبيرة لصلاح[3].

 فقد قرر نادي بازل السويسري التعاقد معه، وبعدها انتقل مباشرة إلى أوروبا للانضمام إلى فريق بازل السويسري. وبعدها تنقل صلاح بين عدة أندية إيطالية "فيرونتينا وروما" وإنجليزية "تشيلسي"، قبل أن ينتقل إلى فريق ليفربول الإنجليزي، حيث تألق في صفوفه خلال موسمه الأول، متصدرًا لائحة هدافي الدوري الإنجليزي.[4]

وعلى صعيد المنتخب الوطني المصري، تدرج محمد صلاح في فئاته السنية المختلفة، وشارك في عديد المنافسات التي خاضها المنتخب. فأحرز معه المركز الثالث في بطولة أفريقيا للشباب عام 2011. كما حقق المركز الثاني مع المنتخب الأول في منافسات بطولة أمم أفريقيا عام 2017. بيد أن الإنجاز الأكبر تمثل في قيادته المنتخب للتأهل إلى كأس العالم روسيا [5]2018.

·        إنجازات محمد صلاح[6]:

ü     حصل على جائزة أفضل لاعب إفريقي صاعد لعام 2012.

ü     حصل على جائزة لاعب الموسم في نادي روما لموسم 2015/2016.

ü     أصبح أول لاعب مصري يفوز بجائزة أفضلا لاعب في الشهر خلال منافسات الدوري الإنجليزي.

ü     اختير ضمن التشكيلة المثالية لبطولة الأمم الأفريقية عام 2017.

ü     حصل على جائزة BBC لأفضل لاعب أفريقي عام 2017.

ü     حصل على الحذاء الذهبي وهداف الدوري الانجليزي 2018.

 

v   استثمار "مو صلاح" كقوة ناعمة مصرية داخليا وخارجيا:

·        على الصعيد الداخلي:

أصبحت القوة الناعمة حالياً من أهم أدوات الدولة المصرية في تنفيذ سياساتها الداخلية والخارجية إن تم استعمالها وتنميتها بشكل صحيح وسليم، وهي السبيل الأمثل للتعايش السلمي والآمن بين الدول عن طريق السماح للمواطنين الموهوبين بالتفاعل الجدي مع العالم، حيث إن كل ما تحتاجه مصر هو إدارة قوتها الناعمة بشكل مهني فعلى سبيل المثال حاول صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي استخدام قبول الشباب لشخص "محمد صلاح" وحب الجمهور له في إنتاج مادة إعلانية للتنديد بخطورة الإدمان معلناً شعار "أنت أقوى من المخدرات"، والتي تركت مردوداً طيباً، حيث أكدت غادة والي وزيرة التضامن ورئيس مجلس إدارة صندوق مكافحة وعلاج الإدمان أن حالات طلب العلاج زادت بنسبة 400% منذ ظهور إعلان محمد صلاح[7].

·        على الصعيد الخارجي:

تحول "محمد صلاح" إلى قيمة تساوى فى تأثيرها حكومة بأكملها "بمعنى أكثر دقة" يساوي كل وزارة وهيئة وجهة لها علاقة بقوة مصر الناعمة، فهو لم يعد شخصا، بل مؤسسة ضخمة، تمثل قوة مصر الناعمة في الخارج، فأصبح اسم مصر منذ أن لعب صلاح في بازل السويسري، ثم تشيلسي الإنجليزى، وفيرونتينا وروما الإيطاليين، وأخيرا ليفربول الإنجليزى بات مرادفا لتفوق صلاح ونجاحه، وقيام مشجعو الأندية التي لعب بها صلاح برفع علم مصر حبا له.

فالسؤال الأكثر أهمية هنا.. "هل استفادت مصر من "محمد صلاح" كقوة ناعمة للتسويق والترويج وتحسين السمعة في الخارج"؟، هل وضعت الحكومة مثلا خطة حقيقية للاستفادة من نجومية صلاح وشعبيته وجماهيريته فى العالم؟

أصبح "محمد صلاح" في حد ذاته، يساوى أكثر من وزارة وجهة للتسويق والترويج السياحي السياسي والاجتماعي، وأيضا الاقتصادي لمصر، لكن لم يتم استغلال "محمد صلاح" مثلما فعلت البرازيل حتى تصبح مصر أو حتى "قريته نجريج" قبلة للسياحة الغربية أو على الأقل الإنجليزية، حيث تمتلك مصر مواهب عديدة لكنها تفتقر إلى آلية التعامل معها وتنميتها، فضلاً عن العشوائية في انتقاء العناصر الموهوبة والإهمال، ما يجعل هذه المواهب تتسرب للخارج، حيث البيئة المناسبة التي ترعاها والتقدير المادي، والعنصر الأساسي في الحكم على الموهبة في الخارج هو الشفافية والنزاهة بخلاف ما يحدث داخل الدولة المصرية من الإهمال المادي والمعنوي، وسوء التخطيط.

على سبيل المثال: قام لاعبو البرازيل بتحويلها من مكان فقير إلى قبلة للسياحة بسبب تواجدهم وإبداعهم وسحرهم فى الفرق الأوروبية، وتحولت قراهم وأحياؤهم الفقيرة في مدن البرازيل المختلفة إلى مزارات وقبلة للسياحة.

v   "مو صلاح" قدوة للشباب والأطفال:

لم يعد "محمد صلاح" مجرد لاعب كرة قدم يساهم في فوز منتخبه القومي أو فريقه الذى يرتدى قميصه بالملاعب الأوروبية، لكنه أصبح "حلماً" للعديد من الأطفال والشباب في مختلف المجالات، ليس حلم لعب كرة القدم، ولكن حلم النجاح والتفوق والنجومية، بالتالي من الممكن استثمار "حالة صلاح" ليصبح أيقونة ملهمة للمتميزين في تخصصات وقطاعات مختلفة، مؤكدين أن النجاح أصبح صناعة مثل بقية الصناعات التي تحتاج إلى إدارة جيدة وتحفيز ونظام وبيئة عمل، وبالتالي يكون هناك الكثير من النماذج الناجحة في الداخل والخارج، وفتح المجال أمام العديدين لتكرار "تجربة صلاح"، سواء في المجال الرياضي أو غيره من المجالات[8].

إن النماذج الناجحة لدى الشعوب التي استطاعت أن تحقق نجاحات كبيرة وتخرج إلى العالمية، لا بد من استثمارها لتكون القدوة لآلاف الشباب في الداخل ممن لديهم القدرات والمؤهلات ليحققوا نفس النجاح، لكنهم ينتظرون الفرصة المناسبة، حيث أن خلق الفرص لظهور المواهب واكتشاف القدرات مهمة كبيرة يجب أن يتشارك فيها بداية من الفرد نفسه الذى يطمح لتحقيق ذاته مروراً بالهيئات والمؤسسات المختلفة التي يجب أن تحرص على فتح المجال أمام الوجوه الجديدة والشابة في مختلف المجالات، بالتالي فإن الرغبة في النجاح موجودة لدى كل إنسان، وعند كل المصريين خاصة الشباب منهم، لكنهم يحتاجون للقدوة والنماذج الحقيقية والمبادرات الجادة والنشطة والفرص الجيدة ليستطيعوا إثبات أنفسهم، حيث يجب أن يبذل الشباب قصارى جهدهم ليثبتوا نجاحهم وكفاءتهم وأن يقوموا باستغلال أنصاف الفرص التي تتوافر أمامهم.

v   دور "مو صلاح" كقوة ناعمة في تصحيح صورة الإسلام:

استطاع "مو صلاح" جعل جماهير ليفربول يحبون الإسلام ويغنون له، حيث نجح في تحقيق شيء "غير وارد" وذلك يرجع إلى إنجازاته التي استطاع من خلالها أن يذهب إلى ما هو أبعد من المستطيل الأخضر، ففي الوقت الذي تعرضت المملكة المتحدة لثلاث هجمات مميتة من قبل جماعات تدعي الإسلام في عام 2017 وأن الإسلام لديه ما اسمته بالصحافة السيئة.

جاء "مو صلاح" ليجعل مشجعي الفريق يغنون ترانيم لتمجيد الدين الإسلامي بأصوات تهز المدرجات كلما سجل هدفًا لفريقه، جاءت كلمات الأغنية "لو سجل المزيد، لكنت المسلم الجديد، لو جلس بالمسجد، لكان بالمسجد جلوسي"، وقد اعتاد منذ بداية الموسم، بالاحتفال بأهدافه عن طريق السجود، هو ما غدا أطفال لیفربول يفعلونه تأثرًا به، لدرجة أن هناك فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي لطفل يسجد عقب تحقيقه هدف في إحدى المباريات تقليدًا لمحمد صلاح، إنه تمكن من توحيد جماهير الشرق الأوسط خلفه، وبالتالي فإن كثيرا من المراقبين لا يستبعدون تحول بعض المشجعين، في نهاية المطاف، إلى الدين الإسلامي، هذا على غرار ما كان يحدث في الماضي من خلال مضايقة أي من المشاهدين العرب اثناء حضورهم لأي مباراة، ولكن اختلف الوضع الآن في مدرجات ليفربول بفضل "مو صلاح"، حيث يظنون أن جميع المسلمين مثل محمد صلاح[9].

في هذا السياق أصبح "مو صلاح" سفيرا فوق العادة للإسلام في مصر وإفريقيا والمنطقة العربية والعالم أجمع، ولو تم إرسال ألف مفتي وعالم في الإسلام لن يؤثر على الغرب مثل تأثير "محمد صلاح" الذى استطاع أن يصحح صورة الإسلام ويحبب الناس في الدين من خلال أخلاقه وسلوكه وتواضعه دون أن يفتي أو يتحدث بكلمة واحدة، وكل ما يفعله هو الاجتهاد والإخلاص في عمله.

v   "مو صلاح" والعنصرية الإنجليزية:

ساهم "مو صلاح" في تغيير سلوك الجمهور الإنجليزي الذي عرف عنه التصرفات العنصرية تجاه الأقليات، ذلك حسب تقرير تم في صحيفة واشنطن بوست، حيث سلط التقرير الضوء على الدور الكبير الذي لعبه تألق محمد صلاح في تراجع الحوادث العنصرية ضد الجالية المسلمة، وقد ركز التقرير على النشيد الذي ألفه الجمهور لصلاح مؤخرا، والذي يقول: "إذا سجلت المزيد، سأصبح أنا مسلما كذلك"، الأمر الذي تم اعتباره غير مألوف في الملاعب الإنجليزية[10].

بالتالي فقد استطاع "مو" التأثير في الجمهور الإنجليزي وتغيير بعض أفكاره وأحكامه، تراجعت حدة الإهانات العنصرية صد الجالية المسلمة في بريطانيا، إذ أن الإنجليز هم أكثر جماهير كرة القدم في العالم عنصرية، فهم يتعاملون مع لاعبيهم طوال الوقت حسب دياناتهم وجنسياتهم وألوانهم، فأصبح بذلك هو أول لاعب كرة مسلم يحظى بمثل هذا الحب وهذا التقدير والاعتزاز.

v   خاتمة:

ظلت "القوة الناعمة" واحدة من أهم مصادر القوة التي تعتمد عليها مصر سواء تمثلت هذه القوة في الأزهر الشريف كمصدر إشعاع عالمي أو تفوق علمي أو فني أو رياضي، في هذا السياق انتقل "محمد صلاح" من مجرد لاعب كرة قدم رائع يمتع الجماهير بقدميه، إلى نموذج يرسل رسائل إيجابية غير مباشرة لكل متابعيه، قامت وزارة الخارجية المصرية بوصف "مو صلاح"، بـ"رمز القوة الناعمة في مصر". وبالتالي انضم إلى كوكب الشرق أم كلثوم والأديب الراحل نجيب محفوظ والفنان العالمي عمر الشريف والعالم أحمد زويل باعتبارهم أباطرة القوة الناعمة المصرية. لا أحد يشك في أن ما يفعله محمد صلاح من تأثير وجاذبية على مستوى الملايين من متابعي كرة القدم في العالم، دون أن يتحدث بكلمة واحدة، بالتالي فهو أقوى من ملايين المحاضرات والندوات.

v   التوصيات والمقترحات:

·   تدريس تجربة "مو صلاح" في المناهج الدراسية ليصبح قدوة للطلبة وصغار السن، خاصة أنه أصبح "أيقونة ملهمة للنجاح".

·   وضع منظومة متناغمة تساعد على النجاح في مختلف المجالات والقطاعات، وليس المجال الرياضي وحده، حيث أن وضع منظومة ملزمة للجميع، وتنفيذ التشريعات واللوائح بصورة احترافية ومنضبطة، من شأنه أن يفتح طريقاً للكثيرين، ويشعر المجتمع بأن هناك ضوابط وقواعد لا يمكن الخروج عليها، ولا مجال للاستثناءات، هذه الحالة تساهم في رفع درجة التحفيز والإصرار والسلوك الإيجابي.

·        التشجيع الموضوعي للموهوبين من المسئولين والمجتمع بغض النظر عن دينهم أو أي انتماءات أخرى.



[1] Salman al-Dosary," The soft power of Mohamed Salah", MIDDLE EAST, available at http://english.alarabiya.net/en/views/news/middle-east

[2] Ibid.

[3] فيل ماكنولتي، "محمد صلاح: قصة صعود النجم المصري"، متاح على الرابط التالي: http://www.bbc.com

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق.

[6] المرجع السابق.

[7] محمد صلاح... "رمز القوة الناعمة لمصر"، متاح على الرابط التالي: www.annahar.com

[8] "How Mohamed Salah’s brilliance in a Liverpool shirt brings joy to a small village and a torn nation", available at: www.independent.co.uk

[9] Sam Cunningham," Islam in Football: The profound effect the religion has had on the Premier League", available at: www.inews.co.uk       

 

 

[10] Jacob Bogage, "Liverpool soccer fans are quite literally singing the praises of a Muslim player", Washington post, available at: www.washingtonpost.com

عن الكاتب