تحليل: تحليل السلوك الهيدروبوليتيكي لإثيوبيا حيال سد النهضة

Avatar
مريم عبد السلام

v   المقدمة:

 

قد أثرت فلسفة الهيمنة المائية تاثيراً كبيراً على الطريقة التي ينظر بها إلى السياسة المائية في جميع أنحاء العالم وتطورت كوسيلة لفهم ديناميات القوه التي تحكم السيطرة على المياه الدولية وتوزيعها وخاصة المياه المشتركة[1] .

وهكذا أثرى إطار الهيمنة المائية النقاش بشأن التفاعلات عبر الحدود خلال العقد الماضي[2]، وقد تم تطبيق مفهوم الهيمنة المائية لتوضيح كيفية استخدام الدول المشاطئة القوية لطرق خفية للمحافظة على سيطرتها. وبدلاً من استخدام الإكراه لضمان الامتثال من جانب المشاطئين يميل المهيمنون مائيا إلى الاعتماد على قدرتهم على "وضع قواعد اللعبة"، واستناداً إلى موارد قوتهم قد تعمل هذه الهيمنة على فرض نظام "سيطرة موحدة" على الموارد المائية الدولية التي تتسم بقدر ضئيل من المنافسة وبدرجة محدودة من التعاون. وهذا يتناقض مع النظام المنشود المتعلق بـ"الاستخدام المشترك" الذي يوجد فيه التعاون القائم على الاستخدام المنصف للموارد المشتركة.

 

v   تحليل السلوك الهيدروبوليتيكي لإثيوبيا حيال سد النهضة:

تسعى إثيوبيا إلى فرض هيمنتها وسيطرتها الإقليمية من خلال تسيسها لقضية المياه خاصة في ظل بعض الحقائق التي تقتنع بها إثيوبيا وهي على النحو التالي:-

الحقيقة الأولى:

أن الحكومة الإثيوبية على إدراك كامل بهيمنتها الهيدروليتيكية فهنا تسعى جاهدة لكي توظفها وتحولها إلى هيمنة هيدرواستراتيجة أي هيمنة هيدروبوليتيكية على النظام الإقليمي لحوض النيل فهنا إثيوبيا على وعي كامل بالهيمنة المائية خاصة أن 4,84% من إجمالي الإيراد المائي السنوي لنهر النيل يتدفق من المنابع الإثيوبية (71مليار متر مكعب من جملة 84 مليار متر مكعب) فإنها ترى أن هذا يشعرها بأنها تمن على مصر بإيرادها المائي وأنها صاحبة الفضل الأكبر في الإيراد المائي لنهر النيل فهي تدرك الحقيقة الجغرافية بأنها 2,33% من مساحة إثيوبيا تقع في نطاق الحيز الجغرافي لحوض النيل كما أن 7,11% من إجمالي حوض النيل يقع علي الأراضي الإثيوبية [3].  

المقصود بالهيمنة الهيدروبوليتيكية هي "تنازع الإرادات والمصالح السياسية والجيواستراتيجية بين دول المنابع ودول المصب فهنا تستخدم دول المنبع للحصول على مزيد من القوة من خلال أداة المياه بينما تستخدم على النقيض دول المصب قوة للحصول على مزيد من المياه".

فالهيمنة يمكن أن توفر النظام والاستقرار وضمان تدفق المياه للدول الكبرى، وعلى الجانب الآخر، فإن الهيمنة قد تكون مصحوبة بتكاليف باهظة بالنسبة للدول الأضعف في المعادلة مثل عدم السيطرة على القرارات الخاصة بتنظيم وإدارة النهر وهذا يفتح توترات سياسية قد تفتح الباب لدرجات مرتفعة الحدة من الصراع المائي وهذا ماحدث في دول حوض النيل.

وقد يتراءى للباحثة  بأن الرغبة الإثيوبية في إحداث الهيمنة الهيدروبوليتيكية على دول حوض النيل من خلال إحكام السيطرة المائية المتحققة لها في حوض النيل وبالتالي يتهدد الأمن الإقليمي للمنطقة لصالح إثيوبيا وهنا يوجد خلل واضح لصالح الطرف الإثيوبي وتهديد لأمن المنطقة "حوض النيل".

خريطة (2) توضح نهر النيل  الذي يشق صحاري مصر، وجريانه في دول حوض النيل

خريطة (3) المشروعات المائية علي النيل الأزرق كما حددها مكتب استصلاح الأمريكي

Description: C:\Users\tabark computer\Downloads\1398922211_043014_0806_1.jpg

 

Source: http://www.kenanaonline.com                                                          

الحقيقة الثانية:-

إثيوبيا تسعى إلى فرض أمر واقع جديد على الأرض من سابق هيمنتها الهيدروليكية على الوضع المائي لحوض النيل وكان ذلك من خلال تشكيل اللجنة الثلاثية لتقييم سد النهضة بعد أن أصر الجانب الإثيوبي على أن هذا أمر واقع؛ بمعنى أنه سد قيد الإنشاء وليس سدا مزمع إنشاءه كما يراه الجانب المصري والسوداني عندما كانت مواقفهم واحدة.

ولتحقيق الهيمنة الإقليمية على دول حوض النيل من جانب الطرف الإثيوبي ظل يمارس حربا نفسية غاية في الذكاء وقد نجح في تصدير التوتر المفتعل إلى داخل المفاوض المصري, وقاموا بتجزئة القضية وتم إقناعه بأن هذه بديهيات ومسلمات لا نقاش بشأنها؛ وأن سد النهضة أصبح واقعاً ملموساً؛ فهذا يرجع إلى قصور المنهاج التفاوضي وأدواته؛ وضعف التأثير في المحيط الإفريقي؛ وبشكل غير مباشر ممثل في دوران التفاوض في بيئة غير محفزة ورافضة للدور المصري؛ وأطراف تسعى لتغير قواعد التعاون المائي على حساب الحقوق المائية التاريخية لمصر؛ كما أن قدرة إثيوبيا على استغلال حالة عدم الاتزان التي كانت تمر بها مصر على مدى الأربعة أعوام الماضية؛ ورغم ذلك تنفيذ مشروعاتها وخططها الداعمة لطموحها الإقليمي على حساب مصر؛ فكان على مصر تحييد عامل الوقت الذي أصبح ضاغطاً عليها لاستعادة القدرة على المبادرة والتأثير في بيئة التفاوض؛ وإدخال أطراف وقوى ومؤسسات دولية من شأنها أن تحجم الطموح الإثيوبي وتعلي من معادلة الاستقرار والتنمية في منطقة حوض النيل [4].

 

الحقيقة الثالثة :-

قد ثبت أن التحركات الإثيوبية بالانفرادية والأحادية الجانب وعدم التنسيق مع دول حوض وخاصة مصر فهي لم تلتزم بشرط الإخطار المسبق قبل تنفيذ مشروعاتها المائية وتصر على حقها المطلق في التصرف في جزء النهر الواقع على أراضيها دون الرجوع إلى مصر، إيماناً منها بنظرية "الاختصاص الإقليمي المطلق".

وفي هذا الصدر يؤثر ذلك بالسلب ليس فقط على نمط التفاعلات الهيدروبوليتيكية في الحوض، وإنما على الأمن الإقليمي ككل لدول حوض النيل [5].

        كما تأكد للباحثة أنه سيكون تأثيرات سلبية لسد النهضة على المخزون الإحتياطي التعديني في إثيوبيا، والتي ستسبب في إغراق بعض المناطق التعدينية الغنية بالكثير من المعادن: كالذهب والبلاتين والحديد والنحاس وبعض مناطق المحاجر، والجدير بالذكر أن إثيوبيا ليست غنية بالمعادن بإستثناء منطقتين إحداهما في الجنوب على الحدود مع كينيا، والأخرى هي الأغنى في منطقة سد النهضة وهذا يؤكد التعنت الإثيوبي ليس فقط على الجانب المصري ولكن أيضاً الآثار السلبية الفادحة على إثيوبيا نفسها.

ويعد سد النهضة واحداً من أهم الآليات الإثيوبية المهمة التي من خلالها تسعى لتحقيق "حلم الهيمنة الهيدروبوليتيكية "على النهر؛ ولتأكيد هذه الهيمنة مائياً وسياسياً تنوي إثيوبيا بناء 3 سدود على النيل الأزرق لتتحكم بطريقة غير مباشرة في الحصة المائية المصرية فهنا إثيوبيا تعطي الأولوية لإنشاء المشروعات لتوليد الطاقة الكهرومائية على روافد النيل والتي تمر بأراضيها وبعض هذه المشروعات تم تنفيذها وبعضها قيد الدراسة.

 

v   المشروعات المائية  الإثيوبية  لتحقيق الهيمنة الهيدروإستراتيجية:-[6]

المشروعات القائمة أو التي قد يتم تنفيذها وتشمل:-

أ‌)       مشروع سد شارا شارا:-

هو سد صغير مقام علي مساحة قريبة عند مخرج بحيرة تانا بحوض النيل الأزرق؛ وذلك لتشغيل محطتين لتوليد الطاقة المحطة الأولى بقدرة أسمية تبلغ حوالي 4,11 ميجاوات؛ والثانية بقدرة إسمية تبلغ 73 ميجاوات.

ب‌)    مشروع سد فيشا:-

أنشيء هذا عام 1973 علي نهر فيشا أحد روافد النيل الأزرق بسعة تخزينية تبلغ 185 مليون متر مكعب زادت عام 1986 إلى 460 مليون متر مكعب بعد تحويل لنهر أمارتي إلى نهر فيتشا من خلال نفق عام 1987 ويتم من خلال هذا السد توليد طاقة كهرومائية بقدرة أسمية تبلغ 128 ميجاوات.

ج)  مشروع تانا بيلس:-

هو ليس سد بقدر ما هو عبارة عن نفق لنقل المياه من حوض بحيرة تانا إلى حوض نهر بيليس بدون تخرين مياه؛ فهنا تندفع المياه من المنسوب الأعلى عند بحيرة تانا إلى المنسوب الأدنى في حوض بيليس من خلال النفق؛ وتبلغ القدرة الأسمية لتوليد الطاقة من هذا المشروع 460 ميجاوات وتم إسناد هذا المشروع إلى شركة ساليني الإيطالية عام 2005؛ وتم افتتاحه عام 14 مايو 2010 [7].

د) مشروع سد تكيزي:-

 يفتح هذا السد على نهر تكيزي في منطقة تجراي بشمال إثيوبيا بقدرة أسمية تبلغ 300 ميجاوات خلال 4 توربينات وتم افتتاحه عام 2009؛ يصل ارتفاعه إلى 188 متراً وهو بذلك يعتبر أعلى سد لعام 2014 في إفريقيا متجاوزاً أعلى سد أفريقي وهو سد كاستي في ليسوتو والذي يبلغ ارتفاعه 185 وتبلغ سعة التخزين الإجمالية لسد تيكيزي نحو 23,9 مليار متر مكعب ويقدر عمره الافتراضي بنحو 50 عاماً؛ وعلى أساس معدل الإطماء عند السد يبلغ 75 مليون متر مكعب/سنة [8].

-       المشروعات المقترحة "التي تحت الدراسة والتنفيذ"[9]:-

سعت الحكومة الإثيوبية لإحداث مزيد من الهيمنة الهيدروبوليتيكية بأنها تسعى إلى تنفيذ بعض المشروعات التي اقترحتها المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي في حوض النيل بالإضافة إلى بعض المشروعات الأخرى في نهر السوباط وحوض نهر عطبرة وتشمل هذه بعض المشروعات:-

أ‌)       مشروع سد كارادوبي:

سد على النيل الأزرق بارتفاع 250 متراً وطول 684 متراً عن قمته وتبلغ مساحة خزان السد عند امتلائه نحو 445 كيلو متر مكعب وسعة تخزينية تقدر ب 2,40 مليار متر مكعب من المياه؛ وهذا السد يعتبر من أوائل السدود المقترحة على النيل الأزرق وقامت شركة نوركونسلت النرويجية هي الشركة الاستثمارية التي قامت بالدراسات الأولية للمشروع؛ وله قدرة أسمية تقدر بحوالي 1600 ميجاوات من خلال 8 توربينات قدرة كل توربين 200 ميجاوات ويعتبر هذا المشروع من مشروعات مبادرة حوض النيل.

ب‌)   مشروع سد مانديا:-

     هذا السد بإرتفاع150 متراً حيث يمتد خزانه إلى موقع السد المقترح الذي يسبقه عند مابيل على النيل الأزرق؛ ولكن الدراسات الحديثة أشارت إلى إمكانية إنشاء السد عند ماندايا بارتفاع 260 متراً دون الحاجة إلى إنشاء سد عند مابيل حيث تبلغ القدرة الأسمية لسد مانديا ما بين 2400-2800 ميجاوات من الطاقة الكهرومائية[10].

  ج)  مشروع سد النهضة:-

جاء مشروع سد النهضة جاء ضمن الدراسات المسحية التي قام بها المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي حيث اقترح إنشاء سد بارتفاع 80 متراً على أن يمتد خزانه إلى موقع السد الذي يسبقه عند ماندايا وتشير الدراسات الأولية أن القدرة الأسمية لتوليد الكهرباء من هذا السد تقدر بنحو 800 ميجاوات؛ وتم تحديد موقع السد على بعد 40 كم تقريباً من الحدود الأثيوبية السودانية؛ فأطلق عليها في البداية "مشروع س"Project X"   "؛ ثم سد الألفية بعد الإعلان عنه في مارس 2011 ثم في أبريل 2011 تم تسميته بسد النهضة العظيم؛ وهو سد بارتفاع 145 متراً وطوله حوالي 1800 متر وبسعة تخزينية تصل إلى 63 مليار متر مكعب من المياه وبقدرة أسمية لتوليد الكهرباء تبلغ أكثر من 5000 ميجاوات /ساعة؛ من خلال 15 توربيناً بقدرة إسمية 350 ميجاوات/ساعة للتوربين الواحد؛ وتقدر تكاليفه 8,4 مليار دولار أمريكي؛ كما أن البنوك الصينية سوف توفر التمويل اللازم لإنشاء التوربينات؛ وإنشاء تنفيذ المشروع إلى شركة ساليني الإيطالية والتي نفذت مشروعات سدود أخرى في إثيوبيا في حوض النيل وخارجه [11].

د)  مشروع سد بارو:-

        يقع على نهر بارو أحد روافد نهر السوباط بين جور وبونجا ويعتبر طبقاً المياه والطاقة الإثيوبية ضمن مشروعات البرنامج الفرعي لحوض النيل الشرقي في إطار مبادرة حوض النيل ومنه توليد طاقة الكهربائية بقدرة أسمية تصل إلى 896 ميجاوات [12].

 

خريطة (1) توضح مواقع السدود الإثيوبية على النيل الأزرق

خريطة(2) موقع سد النهضة الإثيوبي

        http://egyptianchronicles.blogspot.com  Source:

فالشكل السابق يوضح في الخريطة(1) توضح كافة مواقع السدود الإثيوبية على النيل الأزرق، والخريطة (2) توضح موقع سد النهضة الإثيوبي،  وبعد عرض كافة المشروعات الإثيوبية على النيل الأزرق اتضحت كافة المساعي الإثيوبية الحقيقية في تطويق وضع مصر الإقليمي؛ وفرض هيمنتها الهيدروبوليتيكية لتحقيق الهيمنة الإقليمية في حوض النيل فهنا المخطط الإثيوبي خلف مطامع صهيونية أمريكية؛ إسرائيل تسعى لخنق مصر من الشمال الشرقي بإنشاء الكيان الصهيوني الغاصب؛ ومحاصرتها من الجنوب عن طريق إثيوبيا وذلك بدافع فرض تسويات سياسية واستراتيجية على مصر وتحقيق حلمها القديم بإقامة إسرائيل من النيل للفرات فهي تسعى جاهدة لإلغاء النظام العربي؛ وإقامة نظام شرق أوسطي وحتى تحقق لإثيوبيا أيضاً الزعامة الإقليمية الخالصة في حوض النيل وهذا كله بمباركة أمريكية.

فإثيوبيا هدفها الأساسي في سد النهضة هو إنتاج طاقة كهربائية بحيث تصبح هي المحتكرة على مستوى العالم للتصدير للدول المجاورة؛ وأن الهدف من سد النهضة بهذه المواصفات الفنية هو الإضرار بمصالح مصر والضغط عليها؛ وهنا قد تم التأكد من أن انخفاض كفاءة السد ترجع إلى المبالغة في ارتفاعه والسعة التخزينية له وهذا هو الدليل الأمثل لرغبة إثيوبيا في تحقيق الهيمنة الإقليمية على حوض النيل؛ وهذا ما يؤكده الأمن الإقليمي المصري بدليل أنه يمكن بناءه بمواصفات مختلفة بمعنى ارتفاع أقل وكفاءة أكبر وخطورة أقل على مصر والسودان في حالة انهياره [13].

 

v   دور القوى الفاعلة عالمياً وإقليمياً في إثيوبيا تجاه قضية سد النهضة الإثيوبي:

         تنامي تأثير بعض القوى الدولية "الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، اليابان"، أما القوى الإقليمية "إسرائيل" في توجيه سياسات دول المنطقة تجاه قضية سد النهضة بوصفها إحدى دوائر إعادة صياغة النظام الإقليمي، حيث ساهم التقارب الأمريكي في دول المنطقة في تعزيز التواجد الإسرائيلي بها، مع سعيه للتحريض ضد المصالح المصرية فيها، نظراً لتزايد أهمية المنطقة من منظور الأمن القومي الأمريكي، والأوروبي، والاعتماد عليها كنقطة ارتكاز متقدمة لاستخدام قواتها من تأمين مصالحها الحيوية في مناطق الاهتمام الرئيسية.

في هذا الإطار سيجري تناول الدور والتوجهات والتدخلات للقوي العالمية الفاعلة الدولية، والإقليمية وسياساتها تجاه ملف سد النهضة الإثيوبية وكيف لها أن تؤثر على الأمن القومي المصري.

v   أولاً: تأثير القوى الإقليمية "إسرائيل" على سد النهضة الإثيوبي:-

إن المتأمل لهذه الأزمة (أزمة سد النهضة الإثيوبي) وتأثيراته المستقبلية، والباحث عن جذورها سيكتشف أن لإسرائيل دور رئيسي فيها، وذلك لحاجتها الملحة إلى المياه، وأن ضغطها على مصر خلال السنوات الماضية منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام (1979) كان بهدف الحصول على جزء من مياه النيل فضلاً عن خلق حزام أمنى يحاصر مصر أفريقياً، فكان الدور الخبيث والسري للضغط على مصر من خلال دول حوض النيل الـ8 في مياه هذا النهر؛ إن دور إسرائيل في اختلاق وتوظيف هذه الأزمة كبير وخطير،  بل لا نبالغ إذا قلنا أنها رأس الأفعى في المخطط كله[14].

إن الدور الإسرائيلي في أزمة مياه النيل الحالية يفتح ملفاً أوسع وأخطر مطلوب من أن نلتفت إليه، ونهتم به وهو ملف الاختراق الإسرائيلي لدول القارة الإفريقية؛ فهذا الاختراق خطير للغاية ويستهدف في المحصلة النهائية ضرب الأمن القومي المصري والعربي في أعز ما يملك وهو دائرته الاستراتيجية الإفريقية.

ظلت "إسرائيل" تطمح في الحصول على مياه النيل منذ عام 1949 أي بعد أقل من عام على إعلان إنشاء كيان الاحتلال الصهيوني، حيث قدمت العديد من الخطط والمشروعات لإيصال مياه النيل إلى صحراء النقب بفلسطين المحتلة، خصوصاً وأن "إسرائيل" تعاني نقصا حادا في المياه الجوفية - المصدر الرئيسي للمياه في فلسطين- واستمرت المحاولات الإسرائيلية للحصول على مياه النيل حتى عام 1979 حيث تم الاتفاق بين الحكومة الإسرائيلية والرئيس المصري الراحل أنور السادات على شق "ترعة السلام" من النيل إلى فلسطين بهدف إحياء صحراء النقب المحتلة إلا أن المشروع مات بموت صاحبه "السادات" الذي تم اغتياله عام 1981 بسبب توقيعه معاهدة السلام مع "إسرائيل" [15].

وفي محاولة دولية فاشلة تقدمت إسرائيل بمشروع قرار في المؤتمر الدولي الأخير الذي عقدته الأمم المتحدة حول المياه، مفاده أنه يجب اعتماد المياه سلعة كباقي السلع قابلة للبيع والشراء تماماً مثل البترول، إلا أن مشروع القرار فشل في المصادقة عليه بعد أن تقدمت كل من مصر والسودان للمطالبة بإسقاطه، وقد تم إسقاطه بالفعل بعد أن وقفت غالبية الدول إلى جانب الموقف المصري السوداني.

 

 أرادت إسرائيل من وراء هذا القرار تحقيق الأهداف التالية:

 أولاً: الحصول على مياه النيل عن طريق "الشراء" من أي دولة من دول حوض النيل تستطيع إقامة علاقة واتفاق معها في هذا الخصوص.                                               

ثانياً: تشكيل ضغط سياسي على مصر والسودان من خلال تهديد "المحور الاستراتيجي للأمن القومي المصري" المتمثل في نهر النيل كلما تعارض الموقف السياسي المصري مع المصالح الإسرائيلية في المنطقة.           

ثالثاً: تشكيل ضغط اقتصادي على دولتي المصب من خلال إغراقها في عملية دفع مبالغ هائلة إلى دول المنبع،  الأمر الذي سيؤثر على تطوير المشاريع الزراعية المصرية حيث تعمل مصر حالياً على استصلاح أراض زراعية جديدة تقدر بثلاثة ملايين هكتار مما سيجعل حاجة مصر للمياه تزيد عن (60) ستين مليار متر مكعب سنوياً وفقاً لتقديرات الخبراء المصريون.

وهكذا تبدو الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل هي المحرك الرئيس لسلوك العديد من الحكومات الأفريقية في دول حوض النيل[16] .                                                       

لمح الرئيس أنور السادات بأنه سيمد إسرائيل بالمياه، (إبان معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية)، أعلنت "جولد مائير" قبل عقود من الزمن في خطاب لها بقولها: "إن التحالف مع تركيا وأثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة -أي النيل والفرات- سيكونان في قبضتنا" ويبدو أن هذه السياسة الاستراتيجية تسعى إسرائيل لتحقيقها، ولا أدل على ذلك مما نشهده اليوم من تحالفات بين إسرائيل وأثيوبيا، وبين إسرائيل وتركيا، ناهيك عن تخطيط الكيان الصهيوني لنقل المياه من أثيوبيا إليها عبر خراطيم ضخمة تمر في قاع البحر الأحمر. 

                      

·        الدور الإسرائيلي في إثيوبيا:-

-       تتمتع إسرائيل بعلاقات قوية مع إثيوبيا في مجالات متعددة نظراً لأهمية إثيوبيا الاستراتيجية فهي تعد أهم دولة متحكمة في مياه النيل من المنبع.

-   تصدر إسرائيل السلاح إلي إثيوبيا وتقدم لها المساعدات العسكرية في شكل معدات وبرامج تدريب، وإرسال مبعوثين وخبراء إسرائيليين في جميع المجالات الأمنية والعسكرية والأمنية.

-       استطاعت إثيوبيا أن تؤمن وصولها إلي الممرات الملاحية في البحر الأحمر وعبر مضيق باب المندب.

-   تنظر إثيوبيا إلي علاقتها مع إسرائيل بحسبانها علاقات تاريخية وقوية خاصة بعد ما تمت تسوية المشكلات التي كانت تعرق مسيرة هذه العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين في نوفمبر 1993، خاصة أن إسرائيل تتبع سياسة الاحتواء والالتفاف حول مصر فمتى أرادت مصر أن تلتفت إلي جيرانها في الجنوب ستجد أنها محاصرة بالوجود الإسرائيلي المكثف الذي سبقها إلي هناك من خلال أنشطة وعسكرية، وأمنية، واقتصادية.

-   توحيد العلاقات بين الدولتين، فبعد أن أصبحت إسرائيل شريكاً تجارياً أساسياً، حيث تقوم إثيوبيا بتصدير بعض منتجاتها مثل البن، السمسم، الجلود، التوابل والصمغ الطبيعي إلي السوق الإسرائيلي كما تشهد العلاقات نمواً في مجال الاستثمار الزراعي والمشروعات المائية والتجارة الخارجية.

-   تقوم شركات إسرائيلية بتقديم عروض فنية لإثيوبيا للإسهام في بناء السدود علي منابع النيل في الأراضي الإثيوبية، أو في مشاريع أخري زراعية مثل سد تيكيزي الذي افتتحته إثيوبيا عام 2010 بارتفاع 188 متر وهو يعد أهم السدود في القارة الإفريقية على منابع النيل وكذلك سد توليد الكهرباء الذي افتتح عام 2009 في تانا بليز في إثيوبيا، إلى جانب التمويل الإسرائيلي لمشاريع السدود الإثيوبية التي تسعي لتخزين ما يقرب من 72 مليار متر مكعب من المياه.

-   توقيع إسرائيل على اتفاقية "إدارة المياه والموارد الاقتصادية في إفريقيا"، مع منظمة اليونيدو 2012 والتي تقوم علي موجبها بتطوير منظومة الأمن الغذائي وخدمة المياه وتحسين سبل التصنيع والتسويق الزراعي في القارة الإفريقية وهنا يكمن الخطر الإسرائيلي على حوض النيل مما يؤثر على الأمن القومي المصري.

-   تهميش إسرائيل للدور المصري في إفريقيا بموجب اتفاقية مجموعة المانحين الجدد وهي الدول والمؤسسات المانحة وهي التي لا تلتزم بمبادئ الأمم المتحدة[17].

 

·        الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل في حوض النيل:-

-   محاصرة مصر سياسياً، وتطويق السياسة المصرية في محيطها الإقليمي من خلال التغلغل السياسي، والاقتصادي، والعسكري في حوض النيل.

-       الضغط علي مصر عبر دول المنبع لإمدادها بمياه النيل.

-       الحصول عل نصيب من الموارد المائية لدول هذه المنطقة الحيوية في إفريقيا.

-       تلبية احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي من خلال إيجاد سوق بديل.

-       الحصول على دعم دول الحوض وتأييدها في المحافل الدولية.

-   من الناحية الجيوبوليتيكية يعد موقع دول حوض النيل المتميز على ثلاث ممرات مائية مهمة "البحر الأحمر، البحر المتوسط، قناة السويس"[18].

v   ثانياً: الأبعاد الدولية لسد النهضة الإثيوبي

بدأت فكرة إنشاء مشروع سد النهضة الإثيوبي في ستينيات القرن الماضي حيت قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع الجانب الإثيوبي بإعداد دراسة شاملة لإقامة سدود على حوض النيل الأزرق؛ بعد عزم مصر إنشاء السد العالي.

لكن دراسة المشروع توقفت نتيجة لضغوط إسرائيلية وصينية حينها إلى أن قامت إثيوبيا منفردة بوضع خطة عام2000 لتنتهي في عام2020 بإنشاء أربعة سدود بما فيها سد النهضة ورصدت الحكومة الإثيوبية12 مليار دولار بتمويل صيني- إيطالي بالإضافة إلى منح من بعض دول الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لتوليد كهرباء بمقدار51 مليار ميجا-وات في الساعة يوميا وبالفعل نجحت في إقامة سدود على بعض الأنهار الفرعية[19].

الخريطة (3) توضح تطلعات الأبعاد الدولية لإقامة السدود والتدخل في الشأن المائي:

Description: C:\Users\tabark computer\Downloads\خريطة-الاربع-سدود2.jpg

Source: http://elbadil.com

فالخريطة (3) تطلعات الأبعاد الدولية لإقامة السدود والتدخل في الشأن المائي والتأثير على الحصة المائية لدول المصب والأخص الحصة المائية من خلال سعيها لتسيس قضية المياه، والتي تعتبر من أولى القضايا التي توضع على أجندة صانع السياسة الخارجية المصري، وهذه الأبعاد متمثلة في الدعم المالي لإنشاء السدود، وبتعاقد شركات أجنبية لإنشاء هذه السدود متمثلاً في دور الصين، واليابان، والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يخفي دور الفاعل الإقليمي لإسرائيل الذي ظل مهدداً الآن للأمن الإقليمي المصري في حوض النيل.

  

·        التدخل الأمريكي في إثيوبيا:-

تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية مفاهيم جيواستراتيجة في تعاملها مع دول منطقة حوض النيل فهي لا تستخدم مصطلح دول حوض النيل عند تطرقها لقضية سد النهضة الإثيوبي بل تستخدم تعبير منطقة القرن الإفريقي، فهي تسعي لتحقيق هذا الهدف عبر أداتين هما:-

خلق بعض القادة الأفارقة الجدد ودعمهم بشكل أو بآخر على تحقيق المصالح الأمريكية وكان هذا جلياً في خلق نماذج مثل ميليس زيناوي، هيلامريام ديسالجن وهم أكثر نماذج لهذا التعنت الإثيوبي والإصرار علي بناء سد النهضة الإثيوبي، إلى جانب تمكنها بالانفراد بالسودان بعيداً عن مصر وهذا يدلل على أنها بيتت نيتها على ذلك من أجل الإيقاع بين الطرف المصري والسوداني والذي كان هو أشبه بعملة ذات وجهين وكان لهما صوت واحد سابقاً تجاه قضية سد النهضة الإثيوبي ورفضهما السابق على توقيع اتفاقية عنتيبي.

 

·        التدخل من جانب الدول الآسيوية:-

بالنسبة للصين واليابان:- عملت الصين على تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية في إثيوبيا وتجاه ملف المياه والذي قد وصف أحياناً بأنه محفزاً للتعاون والصراع في آن واحد عن طريق:

-       تعزيز التعاون العسكري مع إثيوبيا بتبادل التكنولوجيا العسكرية والتدريبات العسكرية.

-   دعم العلاقات التجارية من خلال إلغاء الرسوم الجمركية على السلع المستوردة من الدول الأقل نمواً بهدف المساعدة في زيادة الدخل القومي لها.

-       اختراق السوق بالمنتجات الصينية رخيصة الثمن التي تتناسب مع مستوى الدخل القومي لها.

-       التمويل المالي لإنشاء مشروعات مائية ممثلة في دعم إنشاء سد النهضة الإثيوبي[20] .

 

صفوة القول قد تراءي للباحثة أنه كما سبق الإشارة إلى المشروعات المائية الحالية في إثيوبيا، قد تكون وسيلة للتقارب بين دول حوض النيل إذا تم التعامل معها من منظور الربح للجميع بشرط ألا يخل بالحصة المائية المصرية ليس كمياً فقط، وإنما كيفياً، كما أن منهج التعاوني يظل مرهوناً بقبول دول المنابع لشرط الإخطار المسبق قبل المضي في تنفيذ أية مشروعات مائية فهنا كما سبق الإشارة إلى أن إثيوبيا تحجم عن شرط الإخطار المسبق، والتذرع بالسيادة الإقليمية المطلقة على جزء النهر الواقع في أقاليمها فهي تسعى إلى إحداث خلل في الأمن الإقليمي لدول حوض النيل لصالحها، وتحييد دور مصر في منطقة الحوض وتحقيق حلم الهيمنة الإقليمية التي ترغب في تحقيقه مستغلة وضعها الهيدروليكي، كما سبق الإشارة سابقاً من خلال الانطلاق من مجموعة الحقائق التي تسعى إثيوبيا لتأصيلها في الفكر المصري بصفة خاصة، ولدى دول حوض النيل بصفة عامة.

 

        في هذا الصدد قد تأكد للباحثة أن هناك أبعاد إقليمية متمثلة في إسرائيل تسعى بكافة الطرق لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة والحصول على مياه النيل عن طريق "الشراء" من أي دولة من دول حوض النيل تستطيع إقامة علاقة واتفاق معها في هذا الخصوص، تشكيل ضغط سياسي على مصر والسودان من خلال تهديد "المحور الاستراتيجي للأمن القومي المصري" المتمثل في نهر النيل كلما تعارض الموقف السياسي المصري مع المصالح الإسرائيلية في المنطقة.

        في هذا الصدد أيضاً قد تبين للباحثة أن هناك أبعادا دولية متمثلة في التواجد الأمريكي في إثيوبيا سواء اقتصادياً، أو عسكرياً، وأيضاً التواجد الآسيوي المتمثل في الصين، واليابان بتقديم قروض ميسرة لإنشاء سد النهضة الإثيوبي، واستكمال بنائه.



[1] Anak. Reyes, B.A , “The Riparian RelationShip Continuume : Conflict and Cooperation in wvolvind international system “ , (M.S Thesis) , University of Texas , College of Liberal and Fine Arts Department of Geography and Political Science May 2012 .

 

 

 

[2] لمزيد من الأطلاع أنظر:

 

-       Cascão, A. (2008), “Ethiopia: challenges to Egyptian hegemony in the Nile Basin” , Water Policy, 10, 13-28.

-       Cascão, A. (2009),” Changing power relations in the Nile River Basin: Unilateralism vs. Cooperation?” Water

Alternatives, 2(2), 245-268.

-       Cascão, A. & Nicol, A. (2011), “ Against the flow: New power dynamics and upstream mobilisation in the Nile Basin”. Review of African Political Economy, 38, 317-325.

[3]  T.Hagos,"Ethiopia and the Sovereignty over the blue Nile", Available at:  www.ethiomedia.com

.                                                             

[4] أيمن السيد عبد الوهاب ,"سد النهضة وفشل المحادثات .................التداعيات والآفاق ",آفاق سياسية ,العدد الثاني ,فبراير 2014 ,ص 46 .

[5] محمد سالمان طايع ,"سد النهضة وتأثيره علي الأمن المائي المصري دراسة من منظور الجيوبوليتيكي ", مرجع سبق ذكره، 273 .

[6] محمد سالمان طايع ،"سد النهضة وتأثيره علي الأمن المائي المصري دراسة من منظور الجيوبوليتيكس "،مرجع سبق ذكره ، ص 260 .

[7] صبحي علي قنصوة ,"المطالب الإثيوبية في مياه النيل وأثرها علي الأمن المائي المصري " ,مجلة الشئون الإفريقية  ,المجلد الثالث ,العدد التاسع , يناير 2015,ص 15 .

[8] المرجع السابق ، ص 17 .

[9] مرجع سابق ,ص 17 .

[10]  "  The Karadobi Dam and multi-purpose Project, Ethiopia", Available at: www.norconsult.com.

[11] Michael Hammond, " The Grand Ethiopian Renaissance Dam and the Blue Nile : Implications for trans boundary :-          water governance ", available at:- http://www.globalwaterforum.org

 

[12] صبحي علي قنصوة ,مرجع سبق ذكره ,ص 19 .

[13] صبحي علي قنصوة ,مرجع سبق ذكره , ص 22.

[14] سوزى الجنيدى،"8 سيناريوهات لمواجهة مخاطر سد النهضة الأهرام العربي ، متاح علي الرابط : Available on :- http://www.elahram.com

[15] المرجع السابق ،ص 15 .

[16] أيمن السيد عبد الوهاب، "العولمة  والتعاون المائي في منطقة حوض النيل"، السياسة الدولية، العدد 150،أكتوبر 2002، ص ص 57-58 .

[17] أيمن السيد عبد الوهاب، "العولمة  والتعاون المائي في منطقة حوض النيل"، مرجع سبق ذكره ،ص ص 60 -61 .

2 المرجع السابق ، ص 63.

 

[19] -،"إدارة مياه النيل كمحدد للتعاون والصراع بين دول حوض النيل "،      

    Available at: http://www.moqatel.com .

[20] عادل عامر،" دلالة اتفاق أثيوبيا ومصر حول سد النهضة " ،

    Available at:- http://www.acrseg.org

عن الكاتب