تحليل: الحرب البيولوجية هل ستصبح صراع المستقبل؟

Avatar
ياسمين حمدي

مقدمة:

"الحرب خدعة"، ربما توجز هذه الجملة مضمون الحرب والأدوات المستخدمة فيها وأهدافها أيضا، حيث نجد أنه كنتيجة لتحقيق أهدافها قد تستخدم الحرب العديد من الأدوات المختلفة وقد تكون أدوات واستراتيجيات غير متوقعة، ومن ثم فإن الحديث عن الحروب البيولوجية يعد تطبيقا لمقولة "الحرب خدعة"، حيث نجد أن الحروب البيولوجية أحد أنواع الحروب والتي تعتمد على أشكال مختلفة من الأسلحة كالفيروسات والبيكتريا بهدف تحقيق النصر لمستخدمها وأكبر عدد من الخسائر للطرف الآخر، ويمكن القول بأن الحروب البيولوجية ليست بجديدة، حيث نجد أن أول استخدام لها قد كان في أثينا عام 430 قبل الميلاد، وذلك باستغلال مرض الطاعون كأحد الأسلحة البيولوجية، وكذلك استخدام الجنود الفرنسيين الألبسة الخاصة بالجدري بهدف نشر المرض بين الهنود الحمر خلال الحرب الفرنسية في المكسيك، ولقد تم توقيع عدة اتفاقيات لتحريم استخدام الأسلحة البيولوجية وخطورتها ومن أهمها اتفاقية الأسلحة البيولوجية عام 1972، ومع ذلك فإن هناك العديد من الدول التي توظف الموارد المالية الضخمة لتطوير وسائل الحرب البيولوجية، ومن ثم فإن السؤال الذي يطرح نفسه يتمثل في: "ما هو مستقبل هذه الحروب، وهل يمكن أن تصبح البديل للحروب التقليدية بشكل تام؟".. يمكن الإجابة على هذا السؤال عن طريق تحديد أولا تعريف الحرب البيولوجية، ثم معرفة أهم الآليات المستخدمة فيها، وكذلك تناول حالة تطبيقية قد تم استخدام الأسلحة البيولوجية فيها، ومن ثم التمكن من إجابة سؤال المقالة ومحاولة صياغة سيناريوهات لمستقبل الحروب البيولوجية، وذلك على النحو التالي:


أولا: تعريف الحرب البيولوجية

الحرب البيولوجية: تعرف بأنها سلاح دمار شامل ، حيث يقضي بنشر أو توليد وباء قاتل أو ضار في أرض معادية ضد جنودها وأحيانا شعبها أو كائناتها الحية (كالدواب أو النباتات)، حيث يتم ذلك عن طريق استخدام الجراثيم أو البكتيريا أو الفيروسات القاتلة أو الضارة، وذلك بهدف إيقاع أكبر عدد من الخسائر والضحايا في صفوفها أو أحيانا إبادتها بالكامل، ويجب الإشارة إلي أن من أهم الدول التي تستخدم هذا النوع من الحروب هي الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا وإسرائيل.



ثانيا: الآليات المستخدمة في الحروب البيولوجية

وكنتيجة لتعريف الحرب البيولوجية فإنه يتضح أن من أهم الآليات المستخدمة فيها هي الفيروسات والميكروبات، وذلك عن طريق استخدامها في تلويث الأطعمة أو الإمدادات المائية أو الحشرات الناقلة للأمراض كالبعوض، ويمكن القول بأن استخدام الفيروسات يعد أكثر خطورة من الميكروبات، وذلك لأن الفيروسات المستخدمة في الحرب البيولوجية لا تتأثر بالمضادات الحيوية والعقاقير التي يمكن استخدامها كوقاية من الأسلحة البيولوجية، ويجب الإشارة إلى أن الفيروسات المنتشرة على هيئة رذاذ في الهواء تعد أكثر خطورة، ومن ثم فقد تصيب عدد كبير من الناس، حيث نجد أن السيطرة على الفيروسات المنتشرة في الهواء أصعب من السيطرة على تلوث الطعام أو الماء أو مكافحة الحشرات أو الفئران المصابة، وخاصة أن الفيروسات المنتشرة في الهواء ليس لها رائحة أو لون، ومن ثم فهي تؤتي ثمارها دون أن يسهل التعرف عليها إلا بعد مرور الوقت وسقوط عدد من الضحايا بشكل فعلي كنتيجة لانتشارها في الهواء.


ثالثا: مثال تطبيقي للحروب البيولوجية.. دراسة الحالة الفلسطينية

حيث نجد أن إسرائيل قد استخدمت الأسلحة البيولوجية في حربها ضد فلسطين، وقد نتج ذلك عن عدم اكتفاءها باستخدام الأدوات التقليدية العسكرية في مواجهة الانتفاضات الفلسطينية، وإنما استخدمت أيضا أسلحة حديثة متطورة قد تم تجهيزها خصيصا للفلسطينيين، وذلك اعتمادا على التكنولوجيا الحيوية العسكرية والهندسة الوراثية، ومن أهم هذه الأسلحة ما يلي:

1-    القنبلة الجينية: حيث تعد أحد الأسلحة المتطورة التي تستخدمها إسرائيل والتي تحدد بداية الصفات الجينية للفلسطينيين، وذلك حتى تتمكن من تصميم فيروسات وبكتريا ومواد عضوية مهندسة وراثيا تهاجم الخلايا البشرية ذات التركيبة الفلسطينية فقط، حيث تعمل على تطوير أنواع من الفيروسات على آلاف المواطنين، ويتم ذلك عن طريق تطوير آلية معينة لوقف تأثير أحد الجينات التي تتولى مهمة التخلص من الانقسام اللامحدود، وفي هذه الحالة يستمر انقسام الخلايا وتتكاثر في صورة أورام سرطانية في معظم أعضاء الجسم.

2-    السفن الجينية: حيث تعد أحدث سلاح مضاد للكائنات الدقيقة الممرضة وحماية الأمن البيئي، ومن ثم إمكانية شن حرب بيولوجية على الشعب الفلسطيني وأيضا توفير الحماية للإسرائليين، وتعتمد فكرتها علي نظرية عمل الرادارات أيضا، ولكنها تقوم برصد الكائنات الدقيقة للغاية المستخدمة في الحروب البيولوجية، وذلك عن طريق مسارات يمكن من خلالها أن ترتبط السفينة أو تتحد مع المادة الوراثية للكائنات الدقيقة كالبكتريا، ومن ثم التعرف عليها قبل ظهور العدوى، وبالتالي يمكن القول بأنها تعد إجراءا وقائيا، حيث تتركب هذه السفن من شرائح دقيقة من السيلكون، كما أنها تحتوي على ملايين الخلايا الدقيقة، ويتم على هذه السفن آلاف التفاعلات الحيوية، وذلك عن طريق توصيلها بأجهزة إلكترونية أو كهربائية أو ضوئية لإعطاء إشارات تشخيصية.

ولكن على الرغم من الاستخدام الفعلي من الجانب الاسرائيلي لهذه الأسلحة في فلسطين إلا أنها مازالت محدودة التأثير وذلك لعدة أسباب ومن أهمها ما يلي:

-       أن العرب في فلسطين قد تزوجوا من غيرهم ومن ثم فقد أدى ذلك إلى اختلاط الأجناس، وذلك على النقيض من اليهود الذين حاولوا الحفاظ على ما أسموه "النقاء العنصري"، وذلك يعني أن حجم الخصوصية الجينية لدى اليهود أكبر منها لدى العرب، ومن ثم فإن ذلك يوضح أن العرب إذا دخلوا عصر الثورة البيولوجية فإنه سيكون بإمكانهم إشهار ذلك السلاح مستقبلا في مواجهة اليهود وبكفاءة أعلى أيضا.

-       أن الاختلاف ما بين الأجناس يمثل 1% وفقا لفريق من الباحثين، ومن ثم فإن ذلك يعني أنه لا توجد اختلافات عرقية في التركيب الوراثي ما بين البشر لأن أصلهم جميعا التراب، ومن ثم فلا يوجد اختلافات بينهم سوى الاختلافات الطفيفة التي قدرها الله للتمييز بين البشر.

ومن ثم فإنه يتضح أن الهدف الأساسي من استخدام مثل هذه الأسلحة هو إثارة الرعب في القلوب ليس أكثر، وذلك لأنه من الصعب إمكانية فصل جين من العرب لمعرفة مدى إمكانية مهاجمته بفيروسات معينة، ولكن لابد من الحذر وضرورة الرقابة على كل ما هو قادم من إسرائيل، وكذلك ضرورة الرقابة البيئية وعمل فحوصات وأبحاث مستمرة على البيئة، وكذلك تشديد الرقابة على برامج التنمية الممولة من جهات أجنبية ذات هدف استراتيجي، ومن أهمها تجميع معلومات عن الجينات الوراثية للفلسطينيين.


رابعا: مستقبل الحروب البيولوجية

يمكن الإشارة إلى ثلاثة سيناريوهات في إطار الحديث عن مستقبل الحروب البيولوجية وهي:

السيناريو الأول: أن تصبح الحرب البيولوجية بديلا تاما للحرب التقليدية، وخاصة نتيجة التقدم التكنولوجي، ووسائل الاتصال والمواصلات، وظاهرة العولمة وتداعياتها.

ولكن نجد أن هذا السيناريو غاية في التطرف وذلك لأن استخدام الأسلحة البيولوجية يتطلب تكاليفا باهظة الثمن، بالإضافة إلى أن استخدامها يتطلب الكثير من الصيانة لهذه الأسلحة بصورة يصعب انتشارها، منا أن هذا السيناريو وإن افترضنا حدوثه فإنه سيكون في المستقبل البعيد، وذلك لأن مستوى التقدم التكنولوجي الحالي لن يصل لمرحلة يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل لاستخدام مثل تلك الأسلحة وأن تؤتي ثمارها أيضا.

السيناريو الثاني: عدم استخدام الأسلحة البيولوجية نهائيا، وذلك نتيجة تطلبها لتكاليف باهظة مادية وتكنولوجية وصيانة، وكذلك رغبة في عدم مخالفة الاتفاقيات والمواثيق الدولية والالتزام بقواعدها، ولكن نجد أن هذا السيناريو متفائل للغاية، لأن هناك دولا تمتلك ما يمكنها من البدء في استخدام هذه الأسلحة ومن ثم فقد تكون نواة لاستخدمها، ومن أهم هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإسرائيل، كما أن الالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية غير محتمل بشكل مثالي، وذلك لأن قانون القوة يفوق قوة القانون، ومن ثم فإن هناك من الدول التي ستقوم بتطوير هذه القوانين بما يتناسب مع مصالحها وأهدافها والتحايل عليها.

السيناريو الثالث: إمكانية الجمع ما بين الأسلحة التقليدية والبيولوجية في وقت واحد، حيث نجد أن هذا السيناريو يجمع ما بين استخدام الأسلحة التقليدية للحرب بالإضافة إلى الأسلحة البيولوجية كأسلحة مساعدة، ونرى أن هذا السيناريو أكثر واقعية في المستقبل، وذلك لأن هذه التوليفة ستحاول الاستفادة من مزايا كلا النوعين من الأسلحة ومحاولة تجنب عيوبهما، وخاصة في ظل الحديث في الفترة الراهنة عن منهجية التكامل بشكل عام لتحقيق أكبر قدر من الفائدة، وكذلك لتجنب المعوقات في كل نوع من الأسلحة، كما أن كل نوع بمفرده لن يتمكن من تحقيق الهدف المنشود بدرجة كبيرة.

وختاما يمكن القول بأن الأسلحة البيولوجية تعد من أخطر الأسلحة، وذلك على الرغم من تطلبها لتكلفة باهظة، ولكن يمكن القول بأن الاعتماد عليها يتمثل في مفهوم (Wild Card)، وهو مفهوم في علم الدراسات المستقبلية يدل على احتمال وقوع حدث ما ضعيف ولكن في حالة حدوثه فإنه سيؤثر بدرجة كبيرة، ومن ثم فإن الاعتماد على الحروب البيولوجية بشكل تام في المستقبل ضعيف ولكن في حالة حدوثها سينتج عنها آثارا أكثر تدميرا، خاصة نتيجة صعوبة اكتشافها إلا بعد وقوع عدد فعلي من الضحايا، ومن ثم فعلينا الاستعداد لاحتمالية الحروب البيولوجية والتفكير في كيفية مواجهة أثارها والوقاية منها من البداية قبل التعرض لآثارها المدمرة.



المصادر والمراجع

-       وجدي عبد الفتاح سواحل، أغذية الھندسة الوراثیة.نحو استراتیجیة عربیة لحماية المحیط الحیوي للإنسان (مصر: المركز القومي للبحوث، 2015).

-       وجدي عبد الفتاح سواحل، تطوير فيروسات لمهاجمة الخلايا البشرية للفلسطينيين فقط، متاح على: http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=5075 ، تاريخ الاطلاع 2018/5/5.

-        جمال حسين،علي محمد الهاشم، كيف خدمت أبحاث الاستنساخ والهندسة الجينية القطاع الحربي؟، جريدة القبس الإلكترونية، متاح على: https://alqabas.com ، تاريخ الاطلاع 2018/5/10.

 

-       جورج حداد، الإمبريالية والصهيونية تحضّران لحروب الإبادة الجماعية الجينية ضد الشعوب العربية والإسلامية، الحوار المتمدن، العدد: 3422، 2011، متاح على: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=266666، تاريخ الاطلاع 2018/4/23.

 

-       أيمن الجندي، حرب الجينات، جريدة المصري اليوم، متاح على: http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=363626، تاريخ الاطلاع 2018/4/20.

 

 

 

 

عن الكاتب